فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 528

والجواب على هذا السؤال من وجوه:

الأول:(أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردًا من الحكمة، ولا خاليًا من الفائدة ... بل فيه فائدة أي فائدة، وهي حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره، وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه؛ وذلك سورٌ محكم، وسياج منيع، يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع، ثُمَّ حاول أحد تحريفه، سرعان ما يعرف، ويقابل بالإنكار، وبذلك يبقى الأصل سليمًا من التغيير والتبديل، مصداقًا لقوله سبحانه: ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ا؟ لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ , لَحَـ! ــفِظُونَ = 9 ... ? [الحجر: 9] .

والخلاصة: أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام، نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط، رجوعًا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردًا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال، تيسيرًا لحفظه وضمانًا لصونه: ? وَا؟ للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ? [البقرة: 216، 232، آل عمران: 66، النور: 19] ) [1] .

والثاني: أن في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم إظهارًا لمقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي [2] .

والثالث: (أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ، فإن عدم العلم بالشيء لايصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء، وإلاَّ فمتى صار الجهل طريقًا من طرق العلم؟ ثُمَّ إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أن يصدر لحكمة أو لفائدة، نؤمن بها وإن كنا لانعلمها على التعيين، وكم في الإسلام من أمور تعبدية، استأثر الله بعلم حكمتها، أو اطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه ? وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ? [يوسف: 76] ?

(1) مناهل العرفان للزرقاني 2/ 236.

(2) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 168، 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت