الرضعات الخمس - وشكك في ثبوتها، واستبعد صدور الآثار فيهما عن عمر وعائشة - رضي الله عنهما - ثُمَّ قال: (ومن ثَمَّ يبقى منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرد فرض، لم يتحقق في واقعة واحدة، ولهذا نرفضه، ونرى أنه غير معقول ولا مقبول، والله عزوجل أعلم) [1] ا هـ.
وقد رد المحققون من أهل العلم كلامه هذا من وجوه كثيرة، ومن هذه الوجوه ما ذكره ابن عبدالبر - رحمه الله - بقوله: (وقد أجمعوا أن من القرآن ما نسخ حكمه، وثبت خطه، وهذا في القياس مثله) [2] ا هـ.
وما يحتج به هو وغيره من كون الأخبار فيه أخبار آحاد لايُعول عليه؛ لأن منسوخ التلاوة لم يبق قرآنًا، فنقل كونه قرآنًا بأخبار الآحاد لايجعله لم يكن قرآنًا في السابق؛ لأنه الآن زالت قرآنيته فلايحتاج إلى نقله متواترًا؛ لعدم قرآنيته، ولكنه يكتفى فيه بالنقل الصحيح لثبوت القرآنية السابقة للنسخ، وأخبار الآحاد الصحيحة يقبل بها كل شيء عند أهل السنة والجماعة، كما صرح بذلك الإمام البخاري في كتاب خبر الآحاد من صحيحه [3] .
(وبما تقدم نعلم أن نسخ التلاوة وبقاء الحكم واقعٌ ثابتٌ لا مطعن فيه، وأن مَن نفاه متأثر بالمدرسة العقليَّة، وهي متأثرة بالمعتزلة) [4] .
وهنا سؤال أورده الزركشي في برهانه، وهو أن يقال: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلاّ تثبت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها [5] ؟.
(1) المرجع السابق 1/ 258.
(2) التمهيد 9/ 77.
(3) انظر: كتاب الآيات المنسوخة في القرآن الكريم، للدكتور عبدالله بن محمد الأمين الشنقيطي ص 79.
(4) انظر: كتاب الآيات المنسوخة في القرآن الكريم، للدكتور عبدالله بن محمد الأمين الشنقيطي ص 79. وانظر: مناهل العرفان للزرقاني 2/ 233، 234.
(5) انظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 168.