وعلى هذا يكون القرآن موجودًا في اللوح المحفوظ حينما جرى القلم بما هو كائن وما سيكون، ثُمَّ جرى نقله إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر، ثُمَّ نزل منجمًا في عشرين سنة، وكلما أراد الله إنزال شيء منه تكلم سبحانه بما أراد أن ينزله، فيسمعه جبريل - عليه السلام - عن الله تعالى، ولا منافاة بين تلك الحالات الثلاث، والله تعالى أعلم) [1] ا هـ.
والذي بَدَا لي - والله أعلم - أن سبب هذا الخلاف في كيفية نزول القرآن هو أن بعض العلماء فهم من اختلاف تعبيرات السلف عن نزول القرآن وكيفيته أنها أقوال مختلفة متغايرة، فمن ثَمّ جعلوها أقوالًا في المسألة، ونسبوا كل قول إلى مَن قال به، ثُمَّ رجحوا بين هذه الأقوال، فقوّوا بعضها، وضعفوا البعض الآخر، ثُمَّ جاء العلماء الذين ألفوا وكتبوا في علوم القرآن، ونقلوا هذه الأقوال، كلٌّ ينقل عمّن سبقه من غير تأمل ولا بحث في حقيقة المسألة.
ولو أنهم رجعوا إلى الآيات القرآنية التي تكلمت عن نزول القرآن، وعرفوا تفسيرها، ثُمَّ نظروا في الآثار التي وردت عن السلف؛ لعلموا أنها متفقة غير مختلفة، ولكن كلٌّ عبّر عن فهمه بأسلوبه، فكان في أساليبهم في التعبير عمّا فهموه بعض التغاير والاختلاف، فظن من جاء بعده أنه اختلاف تضاد، وهو في الحقيقة اختلاف تنوع، والله أعلم بالصواب.
ويَبْقى بعد هذا تنبيهات سريعة تتعلق بنزول القرآن:
التنبيه الأول: حول قول ابن عبدالبر: (وإنَّما كان ينزل به جبريل - عليه السلام - سورة سورة، وآية آية على حسب حاجة النبي صلى الله عليه وسلم إليه) .
حول هذا المعنى قال السيوطي في الإتقان: (الذي استُقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها: أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة: خمس آيات وعشرًا وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة [2] ، وصح نزول عشر
(1) تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ عطية محمد سالم 9/ 382، 383 باختصار.
(2) سبق تخريجه الأحاديث الدالة على ذلك في مبحث آثار الوحي.