سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المُقْحِمَات [1] ؛ لأن هذا ليس فيه تصريح بأن جبريل عليه السلام لم ينزل بها، فيجوز أن يكون جبريل نزل بها تأكيدًا وتقريرًا، أو نحو ذلك، وقد ثبت نزوله عليه السلام بالآية الواحدة مرتين [2] .
وأمَّا كيف كان جبريل ينزل بالقرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟.
فالجواب ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما قال في حديث عائشة: ? أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول ? [3] .
وبهذا يتضح لنا معنى قول ابن عبدالبر في شرحه لهذا الحديث: ( ... ولكنه أراد بهذا الحديث نزول ما يُتلى - والله أعلم -) وقوله: (ولكن المقصد بهذا الحديث إلى نزول القرآن - والله أعلم -) .
ولعل ما ذكره ابن عبدالبر هنا أولى من قول الحافظ ابن حجر: (وأُورد على ما اقتضاه الحديث - وهو أن الوحي منحصر في الحالتين - حالات أخرى: إمَّا في صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل، والنفث في الروع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة، وإمَّا في صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد سدّ الأفق.
والجواب: منع الحصر في الحالتين المقدم ذكرهما، وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلاَّ مرتين، أو لم يأته في
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى 3/ 5 النووي رقم [173] .
والمُقْحِمَات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها النَّار: أي تلقيهم فيها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 4/ 19، مادة (قحم) .
(2) انظر: روح المعاني للألوسي 10/ 124، وانظر: النوع الحادي عشر في الإتقان للسيوطي وهو ما تكرر نزوله 1/ 113، وانظر: تهذيب وترتيب الإتقان في علوم القرآن لمحمد عمر بازمول ص 147.
(3) سبق تخريجه ص 115.