المسألة الثانية: بأي صورة من صور الوحي نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟.
إن الناظر في الأدلة الواردة في بيان صور ومراتب الوحي، وفي كيفية نزول القرآن يدرك من خلالها أن القرآن الكريم إنَّما نزل بواسطة جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: ? وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ? [الشعراء: 192 - 194] فالروح الأمين هنا هو جبريل بإجماع [1] .
وظاهر الآيات يقتضي أن جميع القرآن نزل به الروح الأمين على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] .
وهذا لاينافي ماجاء في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلاَّ اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلاَّ اليوم، فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلاَّ أعطيته [3] .
لأن الحديث لايدل على أن هذا الملك هو الذي نزل بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، وإنَّما فيه ما يدل على أنه بشّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وهو قد أوتيها ونزل بها جبريل عليه السلام من قبل.
ولاينافي كذلك ما ثبت في صحيح مسلم أيضًا من حديث ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى به إلى سدرة المنتهى ... الحديث.
وفيه: فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا: أعطى الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم
(1) انظر: تفسير ابن عطية 12/ 79.
(2) انظر: تفسير روح المعاني للألوسي 10/ 124.
(3) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة 6/ 339 رقم [806] .