أُحُد ولكن هذا في عالم البرزخ والآية إنَّما هي في الدار الدنيا، وقوله عزوجل:? أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ? كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) [1] اهـ.
ونعود إلى ما ذكره ابن عبدالبر - رحمه الله - فيما يتعلق بهذه الآية، حيث لم يرد فيما ذكره ما يدل على أنه فهم من الآية فهمًا يخالف ما تدل عليه الأحاديث من كثرة ضروب وأنواع الوحي، ولم يتكلم بنفسه عنها وإنَّما ذكر أثرين وردا في تفسيرها.
أمَّا الأثر الأول فهو ما ذكره بقوله: (وروي عن مجاهد في قول الله تعالى: ? وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ا؟ للَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ? قال: موسى حين كلمه الله، ? أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ? قال: جبريل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وأشباهه من الرسل) [2] .
والأثر الثاني عن الزهري، ونصه كما ذكره ابن عبدالبر: (عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية: ? وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ? [الشورى: 51] قال: نرى هذه الآية تعد من أوحى الله إليه من البشر، فالكلام: ما كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله إلى النبي من أنبيائه فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيتكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله وبين رسله لايكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه يكون سر غيب بين الله وبين رسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولايكتبونه ولكنهم يحدثون به الناس، ويأمرونهم ببيانه، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويعلموهم إياه، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من ملائكته فيوحيه وحيًا في قلوب من يشاء من رسله) [3] .
قال البيهقي [4] بعد ذكره لهذا الأثر: (فذهب في الوحي الأول إلى أنه ما
(1) تفسير ابن كثير 4/ 123، 124.
(2) سبق ذكره ص 116.
(3) سبق ذكره ص 116.
(4) هو: الإمام، الحافظ، شيخ خراسان، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي الشافعي، صاحب التصانيف التي لم يُسبق إلى مثلها، منها: السنن الكبرى، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، والأسماء والصفات، مات سنة 458 هـ بنيسابور. انظر: طبقات علماء الحديث 3/ 329 - 331.