في التفسير نشأ عندما اختصرت الأسانيد وذكرت الأقوال غير منسوبة لقائلها فقال ثم ألف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بترا، فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده ومن يخطر بباله شيْ يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانا أن له أصلا، غير ملتفت إلي تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير حتى رأيت من حكي في تفسير قوله تعالي (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) نحو عشره أقوال وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي صلي الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم" [1] "لكن هذه المرحلة بقيت متمسكة بأعلام تصدوا لتفسير كتاب الله علي أصوله والذب عنه بطبقات ثلاث: طبقه أهل مكة كأصحاب الإمام ابن عباس وهم مجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولي بن عباس، وسعيد بن حبير وطاووس وغيرهم وطبقه أهل المدينة فمنهم زيد بن أسلم، و أبو العالية، ومحمد بن كعب القرظى، وطبقه أهل العراق منهم مسروق بن الأجدع، وقتادة بن دعامة، وأبو سعيد الحسن البصري، وعطاء بن مسلمه الخرسانى فهؤلاء أعلام المفسرين من التابعين" [2] ".
3 -المرحلة الثالثة: وهي عصر تابعي التابعين وفيه ألفت التفاسير الكثيرة والتي جمعت من أقوال الصحابة والتابعين وذلك كتفسير بن عينية، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرازق، وإسحاق بن راهويه، وروح بن عباده، وعبد بن حميد، وأبي بكر بن شيبة، وعلي بن أبي طلحه، والبخاري وغيرهم" [3] "وفي هذا العصر كثر الوضع و الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وتطرق إلي الحديث والتفسير خدمةّ لأهواء المبتدعة وأهل الضلال فوقف علماء الإسلام من محدثين ومفسرين أمام هذا الخطر باشتراط أسباب الصحة والقبول للنقل في الرواية والتدوين ولقد كان طابع الرواية في بداية هذا العصر أن يذكر المروي مقرونا بإسناده وكان هذا يسهل مهمة النقد لنقاد الحديث وكان التفسير جزءا من الحديث وبابا من أبوابه ليس مفصولا عنه ثم ما لبث أن انفصل التفسير عن الحديث وأفردت له تآليف علي أيدي جماعة من العلماء منهم ابن ماجة المتوفى ... سنة 273 هجري، وابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هجري، وابن حاتم المتوفى سنه 327 هجري فانتقل التفسير بذلك من مرحله الرواية إلي مرحله التدوين بكتابته بكتب مستقلة بعد أن كان جزءا من الحديث، وأجل هذه التفاسير تفسير الطبري وابن أبي حاتم قال الشيخ الزرقاني عن تفسير الطبري (كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لما ورد عن الصحابة والتابعين، عرض فيه لتوجيه الأقوال، ورجح بعضها علي بعض وذكر فيه كثيرا من الأعراب واستنباط الأحكام) .
(1) - الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ج 4 ص 212
(2) - مناهل العرفان - الزر قاني ج 2 ص 19 بتصرف
(3) - -المصدر السابق ج 2 ص 28 بتصرف