فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 960

وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ} 1 فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْوِيضٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ، وَإِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ نَادِرًا فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَجَمِيعُ إِصْدَارِهِمْ وَإِيرَادِهِمْ هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ يُقَرِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَرْضَاهُ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنِ اجْتِهَادَاتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووقع الْجَوَابَاتِ مِنْهُ عَلَى"مَنْ"* سَأَلَهُ مِنْ دُونِ انْتِظَارِ الْوَحْيِ، وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ"2 وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ لَمَّا سَمِعَ أَبْيَاتِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الحارث"3:"لَوْ بَلَغَنِي هَذَا لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ"أَيْ: عَلَى أخيها النضر بن الحارث4 أَحَدِ أَسْرَى بَدْرٍ، وَالْقِصَّةُ وَالشِّعْرُ مَعْرُوفَانِ."

وَأَمَّا اعْتِذَارُ مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَقُلْ بِالْوُقُوعِ، فَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِذَارُ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ تَجْوِيزَ مِثْلِ هَذَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ بِهِ.

وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إِلَّا التَّفْوِيضَ"لِمَنْ"** كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ، وَكَيْفَ اتَّفَقَ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ غَالِبَ مَا جَاءُوا بِهِ"فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاقِعٌ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَلَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ، وَلَا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، بَلْ جَمِيعُ مَا جَاءُوا بِهِ"*** جَهْلٌ عَلَى جهل، وظلمات بعضها فوق بعض.

* في"أ": ما.

** في"أ": إلى من.

*** ما بين قوسين ساقط من"أ".

1 جزء من الآية 93 من سورة آل عمران.

2 تقدم تخريجه في 2/ 220.

3 قال الزبير: كانت تحت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر فولدت له عليا والوليد ومحمدا وأم الحكم، قتل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباها صبرا يوم بدر، كانت شاعرة محسنة، ولما انصرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بدر كتبت إليه قتيلة في أبيها وذلك قبل إسلامها فلما بلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكى حتى أخضلت الدموع لحيته وقال:"لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه". ا. هـ الإصابة 4/ 379، الاستيعاب 4/ 3799. وبعض المؤرخين من يراها أخت النضر ولكن السهيلي في الروض الأنف 2/ 119 يؤكد أنها بنت النضر لا أخته كما في هامش الأعلام للزركلي 5/ 190.

4 هو النضر بن الحارث بن علقمة، من بين عبد الدار، من قريش، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها وشياطينها، وهو الذي آذى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكفر به وفيه نزل قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ا. هـ الكامل لابن الأثير 2/ 284 الأعلام 8/ 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت