اعْلَمْ: أَنَّ الْخِطَابَ إذا ورد مطلقًا لَا"مُقَيِّدَ لَهُ"* حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِنْ وَرَدَ مُقَيَّدًا حُمِلَ عَلَى تَقْيِيدِهِ، وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا فِي مَوْضِعٍ، مُقَيَّدًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنْ يَخْتَلِفَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بالاتفاق، كما حكاه القاضي أبوبكر الْبَاقِلَّانِيُّ: وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَإِلْكِيَا الْهَرَّاسُ، وَابْنُ بَرْهَانَ، وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنْ يَتَّفِقَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ فَيُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ ظَاهَرْتَ فَأَعْتِقَ رَقَبَةً؛ وقال في موضوع آخَرَ: إِنْ ظَاهَرْتَ فَأَعْتِقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. وَقَدْ نَقَلَ الِاتِّفَاقُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَابْنُ فُورَكَ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي"الْأَوْسَطِ"اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا القسم، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجمل، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ يُحْمَلُ، وَنَقَلَ أَبُو زَيْدٍ الْحَنَفِيُّ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي"تَفْسِيرِهِ"1: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالْحَمْلِ فِي هَذِهِ الصورة، وحكي"الطرطوسي2"الخلاف فيه
* في"أ": لا مقيدًا.
1 واسمه:"تأويلات الماتريدي"للشيخ محمد بن محمد الماتريدي أبي منصور، ويعرف أيضًا باسم"تأويلات القرآن"ا. هـ. كشف الظنون 1/ 457.
2 هو نجم الدين إبراهيم بن علي بن أحمد الطرسوسي، قاض، مصنف، من كتبه:"الإرشادات في ضبط المشكلات"و"الإعلام في مصطلح الشهود والحكام"و"أنفع الوسائل"يعرف بالفتاوى الطرطوسية، وغيرها انظر ترجمته ومصادرها في الإعلام"1/ 51".