فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 960

بِالتَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَجَلُّ الْمُتَفَكِّرِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَأَعْظَمُ الْمُعْتَبِرِينَ"بِهَا"*

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} فَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} 1؛ وَلَوْ سُلِّمَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ اجْتِهَادِهِ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَكُنْ نُطْقًا عَنِ الْهَوَى، بَلْ عَنِ الْوَحْيِ، وَإِذَا جَازَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ أَنْ يَجْتَهِدَ بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ كَوْنِهِ مُعَرَّضًا لِلْخَطَأِ، فَلِأَنْ يَجُوزَ لِمَنْ هُوَ مَعْصُومٌ عَنِ الْخَطَأِ بِالْأَوْلَى.

وَأَيْضًا قَدْ وَقَعَ"ذَلِكَ"** كَثِيرًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَّا مِنْهُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ:"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ"2"أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ"3، وَقَوْلِهِ لِلْعَبَّاسِ:"إِلَّا الإذخر"4 لم يَنْتَظِرِ الْوَحْيَ فِي هَذَا، وَلَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"5

وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ فَمِثْلُ قُصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ6.

وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ، مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ؛ لَجَازَتْ مُخَالَفَتُهُ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ.

وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ بِالِاجْتِهَادِ هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ، وَمِنْ لَوَازِمِ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ؛ إِذْ لَا قَطْعَ بِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ مُحْتَمِلًا لِلْإِصَابَةِ، وَمُحْتَمِلًا لِلْخَطَأِ، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ اجْتِهَادِهِ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لَازِمًا لِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، لِعَدَمِ اقْتِرَانِهِ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ.

وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ لماتأخر فِي جَوَابِ سُؤَالِ سَائِلٍ، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَأَخَّرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْوَحْيُ الَّذِي عَدَمُهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ الْجَوَابُ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْبَاتِ فِي الْجَوَابِ، وَالنَّظَرِ فيما ينبغي النظر

* ما بين قوسين ساقط من"أ".

** ما بين قوسين ساقط من"أ".

1 جزء من الآية 103 من سورة النحل.

2 تقدم تخريجه في 2/ 25.

3 تقدم تخريجه في 2/ 100.

4 تقدم تخريجه في 1/ 366.

5 تقدم تخريجه في 1/ 96.

6 وردت القصة في سورة الأنبياء في قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء 78-79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت