يَقْتَدِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَا يَقْتَدِرُ عَلَيْهِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَأَكْثَرُ عُلُومِ الِاجْتِهَادِ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَيَأْخُذُ بَعْضُهَا بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، وَلَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْ عُلُومِهِ مَرْجِعُهُ إِلَى ثُبُوتِ الْمَلَكَةِ، فَإِنَّهَا إِذَا تَمَّتْ كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَإِنِ احْتَاجَ بَعْضُهَا إِلَى"مَزِيدِ"* بِحْثٍ، وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يَقْتَدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لِتَقْصِيرِهِ، وَلَا يَثِقْ بِهِ الْغَيْرُ لِذَلِكَ، فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُ الْمُقَصِّرِينَ بِأَنَّهُ قَدِ اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَةٍ"دُونَ مَسْأَلَةٍ"** فَتِلْكَ الدَّعْوَى يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُهَا بِأَنْ يَبْحَثَ مَعَهُ مَنْ هُوَ مُجْتَهِدٌ اجْتِهَادًا مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ يُورِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَالِكِ وَالْمَآخِذِ"مَا لَا يَتَعَقَّلُهُ"***، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا عَرَفَ بَابًا دُونَ بَابٍ، أَمَّا مَسْأَلَةٌ دُونَ مَسْأَلَةٍ فَلَا يَتَجَزَّأُ قَطْعًا، وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْأَبْيَارِيُّ1. انْتَهَى.
وَلَا فَرْقَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ"بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ"فِي امْتِنَاعِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحُصُولِ الْمُقْتَضَى وَعَدَمِ الْمَانِعِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، وأما من ادعى الإحاطة بما يحتاج فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ، أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ دُونَ مَسْأَلَةٍ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ يُجَوِّزُ لِلْغَيْرِ مَا قَدْ بَلَغَ إِلَيْهِ عِلْمُهُ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ غَلَبَ ظَنُّهُ بِذَلِكَ؛ فَهُوَ مُجَازِفٌ، وتتضح مجازفته بالبحث معه.
* في"أ": فريد.
** ما بين قوسين ساقط من"أ".
*** ما بين قوسين ساقط من"أ".
في"أ": لا يتعلقه.
1 وتوسط فقال: إن أجمعوا في مسألة على ضبط مآخذها وكان الناظر المخصوص محيطا بالنظر في تلك المآخذ صح أن يكون مجتهدا فيها وإلا لم يصح. هذه تتمة كلام الزركشي في البحر المحيط 6/ 209.