فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 960

قال الغزالي في"شفاء العليل"1: الْمَعْنَى بِشَهَادَةِ أَصْلٍ مُعَيِّنٍ لِلْوَصْفِ أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحُكْمَ أُثْبِتَ شَرْعًا عَلَى وَفْقِهِ.

وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُ إِمَّا أن يُعْتَبَرُ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ.

الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، وَهُوَ خُصُوصُ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَعُمُومُهُ فِي عُمُومِهِ، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ"بِالْجَارِحِ"*، فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، بِجَامِعِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَفَ تَأْثِيرَ خُصُوصِ كونه قتلا عمدا عدوانا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ. وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ السُّكْرِ اقْتَضَتْ حَقِيقَةَ التَّحْرِيمِ، فَالنَّبِيذُ يُلْحَقُ بِالْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، وَبَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى الْمُنَاسِبَ الْمُلَائِمَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بين القياسين.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِهِ، كَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِأَبٍ فِي النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فِي الْإِرْثِ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَأْثِيرُهُ فِي التَّقْدِيمِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلَكِنْ عُرِفَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهِ؛ وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ، فِيمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ عَدَمِ"الْأَمْرِ"**، كَمَا فِي الْإِرْثِ، وهذا القسم دون ما قبله؛ لأن المقارنة بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَقْرَبُ مِنَ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، كَقِيَاسِ إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ عَنِ الْحَائِضِ، عَلَى إِسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ السَّاقِطَتَيْنِ عَنِ الْمُسَافِرِ، بِتَعْلِيلِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَشَقَّةُ جِنْسٌ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ، يُسْتَعْمَلُ عَلَى صِنْفَيْنِ، إِسْقَاطُ قَضَاءِ الْكُلِّ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الْبَعْضِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ فِي الْعِلَّةِ أَكْبَرُ مَحْذُورًا مِنَ الْإِبْهَامِ فِي الْمَعْلُولِ.

الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ كَوْنِ حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ بِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الِافْتِرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ قِيَاسًا عَلَى الْخَلْوَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ الْوَطْءِ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، وَهَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي:

مَا عُلِمَ إِلْغَاءُ الشَّرْعِ لَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: بِوُجُوبِ الصَّوْمِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ الْمِلْكِ الَّذِي وَاقَعَ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا الِانْزِجَارُ، وَهُوَ لَا ينزجر بالعتق، فهذا وإن كان.

* في"أ": بالمثقل.

** في هامش"أ": كذا بالأصل ولعل الصواب عند عدم الأب

1 واسمه:"شفاء العليل في القياس والتعليل". وهو في أصول الفقه قال فيه: بعد إلحاحك أيها المسترشد في اقتراحك ولجاجك في إظهار احتياجك إلى شفاء العليل في بيان مسائل التعليل من المناسب، والمحيل، والشبه، والطرد، أتيت فيه بالعجب العجاب ولباب الألباب ... ألخ ا. هـ كشف الظنون 2/ 1051.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت