وقال سليم الرازي: هو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ، والمعتزلة، وسائر المتكلمين.
قال الدبوسي: إنه قَوْلُ عُلَمَائِنَا، يَعْنِي: الْحَنَفِيَّةَ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ بِهِ عَامَّةُ شُيُوخِنَا، وَحَكَاهُ"أَبُو"* الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ: وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لِلْحَدِيثِ، فَهُوَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الْآيَةَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ- إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً. وَبِهِ جَزَمَ الصَّيْرَفِيُّ، وَالْخَفَّافُ1، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْمَنْعِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا حَكَاهُ ابْنُ فُورَكَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ أَكْثَرِهِمُ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ شَرْعًا لَا عَقْلًا.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} 2 الْآيَةَ.
قَالُوا: وَلَا تَكُونُ السُّنَّةُ خَيْرًا مِنَ الْقُرْآنِ،"وَلَا"** مِثْلَهُ، قَالُوا: وَلَمْ نَجِدْ فِي الْقُرْآنِ آيَةً مَنْسُوخَةً بِالسُّنَّةِ.
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَنْعِ، حَتَّى قَالَ إِلْكِيَا الْهَرَّاسُ: هَفَوَاتُ الْكِبَارِ عَلَى أَقْدَارِهِمْ، وَمَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ عَظُمَ قَدْرُهُ.
قَالَ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْجَبَّارِ كَثِيرًا مَا"يَنْصُرُ"*** مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ كَبِيرٌ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَكْبَرُ مِنْهُ، قَالَ: وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مَنَعَ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، فَضْلًا عَنِ الْمُتَوَاتِرِ، فَلَعَلَّهُ يَقُولُ: دَلَّ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ قَاطِعٌ مِنَ السَّمْعِ تَوَقَّفْنَا، وَإِلَّا فَمَنِ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَحْكُمُ بِقَوْلِهِ فِي نَسْخِ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ، وَأَنَّ هَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي الْعَقْلِ؟
*في"أ": أين.
** ما بين قوسين ساقط من"أ".
*** في"أ": ينظر.
1 هو عبد الوهاب بن عطاء العجلي، الخفاف، أبو نصر، فقيه، محدث مفسر، من أهل البصرة، توفي ببغداد سنة أربع ومائتين هـ، من آثاره:"السنن في الفقه، التفسير، الناسخ والمنسوخ، الصيام". ا. هـ. معجم المؤلفين 6/ 225. كشف الظنون 2/ 1434.
2 جزء من الآية 106 من سورة البقرة.