فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 960

وإذا كَانَ خَبَرًا عَمَّا يَجُوزُ تَغَيُّرُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَالْمُسْتَقْبَلُ إِمَّا أَنْ يكن وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا، أَوْ خَبَرًا عَنْ حُكْمٍ، كَالْخَبَرِ عَنْ وُجُوبِ الْحَجِّ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ النَّسْخِ لِهَذَا الْخَبَرِ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ، وَأَبُو هَاشِمٍ: لَا يَجُوزُ النسخ لشيء منها.

وقال فِي"الْمَحْصُولِ": وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ.

اسْتَدَلَّ الجمهور على الجواز أن الخبر إن عَنْ أَمْرٍ ماضٍ كَقَوْلِهِ: عَمَّرْتُ نُوحًا أَلْفَ سَنَةٍ. جَازَ أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ بَعْدُ أَنَّهُ عَمَّرَهُ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا.

وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا، وَكَانَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا كَقَوْلِهِ: لَأُعَذِّبَنَّ الزَّانِيَ أَبَدًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ بَعْدُ أَنَّهُ أَرَادَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَانَ الْخَبَرُ كَالْأَمْرِ فِي تَنَاوُلِهِ الْأَوْقَاتَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، فَصَحَّ إِطْلَاقُ الْكُلِّ مَعَ إِرَادَةِ الْبَعْضِ لِمَا تَنَاوَلَهُ بِمَوْضُوعِهِ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إِنْ كَانَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ، بِأَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، كَصِفَاتِ اللَّهِ، وَخَبَرِ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ السَّاعَةِ وَآيَاتِهَا، كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ1 فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَابْنُ بَرْهَانَ فِي"الْأَوْسَطِ"؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ تَغَيُّرُهُ، بِأَنْ يَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا، أَوْ خَبَرًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَهُوَ"مَوْضِعُ"* الْخِلَافِ.

فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّانِ، وَعَبْدُ الجبار، والفخري الرَّازِيُّ، إِلَى جَوَازِهِ مُطْلَقًا، وَنَسَبَهُ ابْنُ بَرْهَانَ فِي"الْأَوْسَطِ"إِلَى الْمُعْظَمِ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْمَنْعِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِ2، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِ3 فِي"النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ". وَالْقَاضِي أَبُو بكر، وعبد الوهاب،

* في"أ": موضوع.

1 وذلك بما ورد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"ما من نبي إلا قد أنذر أمته الدجال…"الحديث. أخرجه البخاري، كتاب الفتن باب ذكر الدجال 7127. وأخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال 2933. وأبو داود، كتاب الملاحم، باب ذكر خروج الدجال 4316. وابن حبان في صحيحه 6780 6785.

2 لعله"دلائل الإعلام علي أصول الأحكام"وهو للشيخ الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله الصيرفي. ا. هـ أيضًاح المكنون 1/ 476.

3 وهو كتاب"الفصول في معرفة الأصول"للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي. ا. هـ هدية العارفين 1/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت