فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 960

واحتجوا خامسًا بقوله سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم} 1 وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات} 2.

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَوْ دَلَّتَا عَلَى وُجُوبِ الْفَوْرِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمُسَارَعَةِ وَالِاسْتِبَاقِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ دَلَالَةُ نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ. وَاحْتَجُّوا سَادِسًا: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ إِمَّا إِلَى بَدَلٍ أَوْ"إِلَى"* غَيْرِ بَدَلٍ، وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ بَاطِلٌ.

أَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ أَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَإِذَا أَتَى بِهَذَا الْبَدَلِ وَجَبَ أن يسقط عنه التكليف وبالاتفاق لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الثَّانِي: فَذَلِكَ يمنع من كونه واجبا؛ لأنه يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ.

وَأُجِيبَ: بِاخْتِيَارِ الشق الأول، ويقوم البدل مقام الْمُبْدَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا فِي كُلِّ الأوقات فلا يَلْزَمُ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ سُقُوطُ الْأَمْرِ بِالْمُبْدَلِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِتْيَانَ بِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، فَهَذَا الْبَدَلُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِتَمَامِهِ فَوَجَبَ سُقُوطُ الْأَمْرِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يتم ما ذَكَرُوهُ مِنَ الْجَوَابِ بِتَقْدِيرِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلتَّكْرَارِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ3.

وَاحْتَجُّوا سَابِعًا: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وقت معين أو إلى آخِرِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ في غير المؤقت، والثاني تكليف ما لا يطلق لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، وَالتَّكْلِيفُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مَجْهُولٍ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ.

وَأُجِيبَ بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ وَالنَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ، أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَلِجَوَازِ التَّصْرِيحِ بِالْإِطْلَاقِ، بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ افعل ولك التأجير فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ جار فيه، وأما التفصيل، فَبِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْزِمُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ بإيجاب التأخير إلى آخر أزمنة الإمكان، أما جواز التأخير إلى وقت يعينه الْمُكَلَّفُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يطاق لتمكنه مِنَ الِامْتِثَالِ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ إِيقَاعَ الفعل فيه.

* ما بين قوسين ساقط من"أ".

1 جزء من الآية"133"من سورة آل عمران.

2 جزء من الآية"48"من سورة المائدة.

3 انظر صفحة"255".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت