فَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَضِيلَةِ لِمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ إِلَّا مُجَرَّدُ اللِّقَاءِ الْقَلِيلِ أَوِ الرُّؤْيَةِ وَلَوْ مَرَّةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ اشْتِرَاطَ الْإِقَامَةِ مَعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةً فَصَاعِدًا، أَوِ الْغَزْوِ مَعَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
وَقِيلَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لِاسْتِلْزَامِهِمَا خُرُوجَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَوْا لَدَيْهِ إِلَّا دُونَ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: لَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ مِنْ لُغَةٍ وَلَا شَرْعٍ.
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْوَاقِدِيِّ1 أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أن يكون بالغًا، وهو ضعيف لاستلزامه"خروج"* كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا عَصْرَ النُّبُوَّةِ ورووا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْلُغُوا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلَا تشترط الرؤية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْمَى مِثْلَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالْعَدَالَةِ عَلَى الْعُمُومِ لَا يَطْلُبُ تَعْدِيلَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَمَنِ اشْتَرَطَ فِي شُرُوطِ الصُّحْبَةِ شَرْطًا لَا يَطْلُبُ التَّعْدِيلَ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَطْلُبُهُ مَعَ عَدَمِهِ فَالْخِلَافُ معنوي لا لفظي.
* في"أ": لخروج.
1 هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، المدني، القاضي، العلامة، أبو عبد الله، أحد أوعية العلم، ولد بعد سنة عشرين ومائة هـ، سمع من صغار التابعين، قال عنه الذهبي: جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، توفي سنة سبع ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء"9/ 454"، شذرات الذهب"2/ 18"، تهذيب التهذيب"9/ 363".