هذا فعلٌ ماضي، و {اللهُ} فاعله، وما معنى أنه فاعلٌ؟ بمعنى أنه هو الذي أحدث الكلام كما تقول: قام زيدٌ، قام فعلٌ ماضي وزيدٌ فاعل، ما المراد بهذه الجملة هذا التركيب يعني زيد هو الذي أحدث هذا القيام، كذلك إذا أسندت الأفعال في جميع القرآن إذا أُسند الفعل سواءٌ كان ماضيًا أو مضارعًا إلى الباري جل وعلا معناه أنه هو الذي أحدثه، ولذلك من أنواع الصفات التي تُثْبَت للباري جل وعلا ما دل عليه الفعل، فكل فعلٍ في القرآن أُسند - هذه قاعدة مطردة لا يخرج عنها شيءٌ البتة - كل فعلٍ سواءً كان ماضيًا أو مضارعًا أُسند إلى الباري جل وعلا دل على أن الباري متصفٌ بذلك الحدث الذي دل عليه الفعل، لأنه كما هو معلوم أن الفعل سواءً كان ماضيًا أو مضارعًا مركب من جزأين من شيئين اثنين، الزمن والحدث، فقام مركب من جزأين الزمن الماضي والحدث الذي هو القيام، وسمع مركبٌ من جزأين الزمن الماضي والحدث الذي هو السماع أو السمع، وكذلك يسمع وينزل نقول: هذا دل على جزأين الزمن المطلق الحاضر والمستقبل، وكذلك صفة النزول الذي هو المصدر، وكذلك السماع فحينئذٍ إذا أُسند الفعل إلى الفاعل وكان هو الباري جل وعلا نأخذ من هذا الفعل صفةً وهي مدلول الحدث فنصف الباري به جل وعلا، حينئذٍ نقول: مما يؤخذ أو تؤخذ منه الصفات الأفعال ولذلك هنا قال: {كَلَّمَ اللهُ} ، {كَلَّمَ} . فعلٌ ماضي وهو دالٌ على صفة الكلام الحدث الكلام، و {اللهُ} فاعل إذًا هو الذي أحدث الكلام، هذا الذي ينبغي حمل اللفظ عليه ولا نحتاج إلى تحريف أو ما يُسمى بالمجاز في هذا المقام، وهذا باطل لا يصح، لأن الأصل في إسناد الأفعال إلى فاعليها حقيقةً - هذه قاعدة أخرى - هذا الأصل فيه فإذا أسند الفعل إلى فاعله فهو حقيقةٌ لا مجاز، ولذلك «ينزل ربنا» . يعني ينزل بذاته. {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . {اسْتَوَى} بذاته، وكذلك في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ} [الفجر: 22] . حينئذٍ المجيء أُسند إلى الرب جل وعلا فهو صفةٌ له، حينئذٍ لا نقول: جاء أمر ربك، أو جاء الْمَلَكُ، أو نحو ذلك، هذا افتراءٌ وتحريفٌ للنص، وإنما نقول: دل الفعل على أن الفاعل متصفٌ بما دل عليه الفعل من الحدث، للأسف الشديد أن كثيرًا من المحرفين هم يعلمون هذه القواعد لكن دخلت عليهم شبهة المجاز أو أن الظاهر يقتضي المشابهة، وحينئذٍ أولوه أو حرَّفُوه إلى المجاز {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى} هذا مفعولٌ به وهو الذي وقع عليه الكلام، أليس كذلك؟ ضربت زيدًا الكلام لا بد له من متكلِّم، وممن يسمع الكلام، الضرب لا بد له من ضارب، ومن محلٍ يقع عليه الضرب، أليس كذلك؟ هذا الفعل متعدِّي لا بد له من فاعل، ولا بد له من محلٍ يقع عليه هذا الضرب، ضربتُ زيدًا فضربتُ الفاعل أنا، وأنا الضارب، وزيدٌ مضروب. {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى} إذًا: {مُوسَى} أُوقِعَ عليه الكلام وليس له معنى إلا أنه سمع الكلام أليس كذلك؟ إذا قلت: ضربت زيدًا.