الصفحة 127 من 439

بَيَّنَ بهذا البيت حقيقة النوع الأول من نوعي التوحيد، وهو توحيد المعرفة والإثبات، وحيث ذكر في الشطر الأول (إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ) مفاده إثبات وجود الخالق جل وعلا، وأفاد بالشطر الثاني إثبات أمرين لازمين وهما: الأسماء الحسنى للخالق جل وعلا، كذلك صفاته العلى. واندرج تحت هذا النوع توحيد المعرفة والإثبات النوعان المشهوران وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. وحقيقة كل منهما توحيد الربوبية: إفراد الله تعالى بأفعاله جل وعلا، الأفعال العامة من الخلق والرَّزق والإحياء والإماتة .. ونحو ذلك، والنوع الثاني توحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الصفات كذلك الأسماء، ونَفْيُ ما نفاه الله تعالى عن نفسه، كذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما يُنَزَّهُ عنه الباري جل وعلا. ثُمَّ لَمَّا ذكر الإجمال في البيت السابق (إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ ** أسْمَائِهِ) هذا عام، حينئذٍ يحتاج إلى تفصيل، ما هي هذه الأسماء؟ ومر معنا أن أسماء الباري جل وعلا توقيفية، حينئذٍ لا بد من الوقوف على النص (أسْمَائِهِ الْحُسْنَى) كذلك (صِفَاتِهِ العُلَى) صفات جمع صفة، ما هي هذه الصفات؟ حينئذٍ نحتاج إلى التفصيل، فنثبت إجمالًا الأسماء الثابتة لله تعالى، ونُثبت إجمالًا كذلك الصفات الثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، ثم نحتاج إلى التفصيل، والتفصيل هذا كما قلنا مبناه على الكتاب والسنة، يعني لا بد من دليل خاص يدل على الاسم والصفة، فلا يثبت للباري جل وعلا اسم لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا يجوز كذلك أن يثبت لله تعالى صفة لا بكتاب ولا بسنة ولا إجماع. إذ مبنى النوعين على التوقيف، ومر معنا سبب ذلك إذ [كون الاسم أو] كون الباري جل وعلا غيبًا حينئذٍ يتفرع عنه أن تكون أسماؤه كذلك هي من الغيب، فلا يوقف عليه إلا من جهة الوحي، وكذلك صفاته جل وعلا تكون من الغيب فلا يوقف عليها إلا من جهة الوحي، وأما العقل فلا مجال له في ذلك البتة، والمراد بنفي دلالة العقل على إثبات صفات الرب جل وعلا المراد به النفي أن لا يثبت العقل شيئًا على جهة التفصيل، وأما على جهة الإجمال فالعقل يُدْرِك، لأن الله تعالى له المثل الأعلى وأنه يُنزه عن كل نقص وعيب، وهذا يُثبت بالعقل ولا إشكال فيه، بل العقل والفطرة السليمة تدل على أن الباري جل وعلا موصوف بكل كمال، ثم ما هو هذا الوصف وهذا الكمال؟ نحتاج إلى تنصيص من الكتاب والسنة، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول في العقل: أنه إن كان المراد به الإثبات الإجمالي فلا شك أنه طريق لمعرفة ما يتصف به الرب جل وعلا إن كان على جهة التفصيل حينئذٍ نقول: لا يُثبت لله تعالى جل وعلا بالعقل لا اسم ولا صفة، وأما باب الإخبار، ولعله مر معنا هذا يذكره أهل العلم أن ما جاء عن الباري جل وعلا من حيث الفعل أو من حيث المصدر فإذا أُخِذَ منه اسم فاعل على صيغة فاعل أو على صيغة أمثلة المبالغة، حينئذٍ لا إشكال فيه في وصف الباري جل وعلا به على وجه الإخبار، كقولهم: الصانع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت