إِذَا وَقَعْتَ تَحْتَ وَطْأَةِ الظُّلْمِ وَالقَهْرِ فَأَرَدْتَ أَنْ تَصْرُخَ فَكَتَمَ الخَوْفُ صَرْخَتَكَ فِي أَعْمَاقِكَ، وَإِذَا تَمَكَّنَ الخَوْفُ مِنْ قَلْبِكَ فَزَلْزَلَ وُجْدَانَكَ، وَقَهَرَ كُلَّ مَعَانِي المقَاوَمَةِ فِي دَاخِلِكَ، وَأَحْسَسْتَ بِمَرَارَةِ الذُّلِّ تَطَأُ هَامَتَكَ وَتُحَطِّمُ كيَانَكَ؛ فَاعْلَمْ -عِلْمَ اليَقِينِ- أَنَّ لِلْكَوْنِ رَبًّا؛ يَنْصُرُ المظْلُومَ؛ وَيَقْهَرُ الظَّالِمَ؛ فَقَدْ نَصَرَ اللهُ نُوحًا بِدَعْوَةِ مُبَارَكَةٍ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} [القمر10] فَمَا بَالُكَ بِغَضَبِ الجَبَارِ ذِي الطَّوْلِ واَلانْتِقَامِ شَدِيدِ العِقَابِ؟! فَقُلْ: {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران173] وَتذْكُرُ أَنَّكَ تَعِيشُ فِي دَارٍ؛ لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ تَقَلُّبَاتٍ وَأَكْدَارٍ وَأَخْطَارٍ، وَنَهَايَةُ المطَافِ إِمَّا جَنَّة وَإِمَّا نَار.
وَإِذَا ضاَقَتْ بِكَ الحَيَاةُ فَمَا عُدْتَ تُطِيقُ قَسْوتَهَا وَآلامَهَا، وَإِذَا تَمَلَّكَكَ الضِّيقُ وَالضَّجَرُ فَلَمْ تَجِدْ مَنْ تَشْكُو لَهُ أَوْ يَسْمَعُكَ، فَلاَ تَيْأَسَنَّ -لَحْظَةً واَحِدَةً- مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ كُلَّ قَانِطٍ يَائِسٍ ضَالٌّ: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحِجْر56] وَإِذَا أَحْسَسْتَ أَنَّ الأَلَمَ يَكَادُ يَنْفَجِرُ فِي صَدْرِكَ وَتَجَمَّدَتْ العَبَرَاتُ فِي عَيْنَيْكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ لَكَ رَبًّا يَسْمَعُكَ وَيُبْصِرُ حَالَكَ، وَيَقْتَصُّ لَكَ: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف86] وَإِذَا أَلْمَمْتَ بِذَنْبٍ فِي غَفْلَةٍ مِنْ أَمْرِكَ، وَأَفَقْتَ مِنْهُ عَلَى لَدَغَاتِ ضَمِيرِكَ تُؤَرِّقُكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ لَكَ رَبًّا رَحِيمًا؛ رَحْمَتُهُ أَوْسَعُ مِنْ عَظِيمِ ذُنُوبِكَ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر53] وَإِذَا نَكَّسْتَ رَاسَكَ؛ خَجَلًا مِنْ نَفْسِكَ، وَشَعَرْتَ بِالنَّدَمِ يُمَزِّقُ فُؤَادِكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَفُورًا؛ يَسْتُرُكَ وَلاَ يَفْضَحُكَ؛ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ؛ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ هَذَا سَيَزُولُ وَيُبْدِلُكَ رَبُّكَ خَيْرًا مِنْهُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي الجَنّةِ؛ فِي يَوْمٍ لَوْ غُمِسَ أَحَدُ المؤْمِنِينَ غَمْسَةً فِي الجَنَّةِ -وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً فِي الدّنيَا- فَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ بَلاَءً قَطّ! يَنْسَى كُلَّ بَلائِهِ وَشَقَائِهِ بِغَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ، سُبْحَانَ المنْعِمِ العَظِيمِ؛ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [1] :
(1) (صحيح) : أحمد 12699، مسلم2707.