فِي هَذَا البَابِ نُلْقِي الضَّوْءَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- عَلَى المعْنَى اللُّغَوِيِّ لِكَلِمَةِ: الابْتِلاَء، فَمَعْرِفَةُ المعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنَ الأَهَمِيَّةِ بِمَكَانٍ، وَمِنْ خِلالِ هَذَا المعْنَى يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ تَكُنْ فِي الحُسْبَانِ، وَلاَ سِيَّمَا وَقَدْ ضَاعَتِ اللُّغَةُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِي أَهْلِهَا، فَعِنْدَمَا يَعْلَمُ الإِنْسَانُ أَنَّ لِلابْتِلاَءِ عِدَّةَ مَعَانٍ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المثَالِ لاَ الحَصْرِ: الإِنْعَامُ وَالإِحْسَانُ وَالاجْتِهَادُ وَالاخْتِبَارُ، فَيَسْعَدُ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ فَالابْتِلاَءُ يَكُونُ فِي الشَّرِّ وَالخَيْرِ مَعًا، إِذًا .. فَالمعْنَى اللُّغَوِيُّ مُهِمٌّ جِدًّا.
أَقُولُ: بَلَوْتُ الرَّجُلَ بَلْوًا وَبَلاءً وَبَلْوَى وَبَلِيَّةً وَبِلْوَةً وَبِلْيَةً [1] وَهَذِهِ الكَلِمَاتُ مَعْنَاهَا: المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالمَرْءِ أَو الاخْتِبَارُ، وَبَلاَهُ يَبْلُوهُ بَلْوًا، أي: جَرَّبَهُ وَاخْتَبَرَهُ وَعَرفَهُ، وَابْتِلاَهُ اللهُ: امْتَحَنَهُ وَاخْتَبَرَهُ، أَبْلاَهُ اللهُ، وَيُبْلِيهُ اللهُ بَلاَءً حَسَنًا أي: صَنَعَ بِهِ صُنْعًا جَمِيلًا، قَالَ اللهُ: {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاء مُّبِينٌ} [الدخان33] البَلاَءُ فِي الآيَةِ: الإِنْعَامُ البَيِّنُ، وَفِي الحَدِيثِ [2] : «مَنْ أُبْلِي فَذَكَرَ فَقَدْ شَكَرَ» أُبْلِي: أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ [3] : مَا عَلِمْتُ أَحَدًا أَبْلاَهُ اللهُ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي .. أَبْلاَهُ: أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَمِنْ كَلاَمِ العَرَبِ فِي الابْتِلاَءِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
جَزَى اللهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُمْ ... وَأَبْلاَهُمَا خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
والمعْنَى فِي البَيْتِ أَي: صَنَعَ بِهِمَا خَيْرَ صَنِيعٍ. وَالابْتِلاَءُ يَكُونُ فِي الشَّرِّ وَالخَيْرِ مَعًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، قَالَ اللهُ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء35] قَالَ القُتَيْبِي: يُقَالُ -غَالِبًا- فِي الخَيْرِ: أبْلَيْتُهُ إِبْلاَءً، وَيُقَالُ فِي الشَّر: بَلَوْتُهُ بَلاَءً، وَالبَلاَءُ الاجْتِهَادُ أوِالعَمَلُ الحَسَنُ، أَقُولُ: أَبْلَى فُلانٌ بَلاَءً حَسَنًا، وَفِي حَدِيثِ سَعْد يَوْمَ بَدْرٍ [4] : «عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لاَ يُبْلِي بَلاَئِي» أَيْ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِي، وَأَنْشَدَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ:
مَا لِي أَرَاكَ قَائِمًا تُبَالِي ... وَأَنْتَ قَدْ قُمْتَ مِنَ الهُزَالِ؟!
وَالابتْلاَءُ: البَيَانُ، فَأَقُولُ: أَبْلَيْتُ فُلاَنًا عُذْرًا، أيْ: بَيَّنْتُ وَجْهَ العُذْرِ؛ لأُزِيلَ عَنِّي اللَّوْمَ، وَأَبْلاَهُ عُذْرًا، أَي: أَدَّاهُ إِلَيْهِ فَقَبِلَهُ .. وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا الحَلِف إِذَا قُلْتُ: أَبْلَيْتُ الرَّجُلَ أي: أَحْلَفْتهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهم:
تُبَغِّي أَبَاهَا فِي الرِّفَاقِ وَتَبْتَلِي ... وَأَوْدَى بِهِ فِي لُجَّةِ البَحْرِ تَمْسَحُ
(1) راجع اللسان، المعجم الوجيز، مادة بلى.
(2) (صحيح) : أبو داود 4814، صحيح الجامع 5933.
(3) (صحيح) : البخارى 4678، مسلم 2769.
(4) (صحيح) : مسلم 1748، أبو داود 2740، الترمذي 3079.