فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 95

إِيَّاكَ وَقَتْلَ النَّفْسِ .. أَيُّهَا المبْتَلَى

نَسْمَعُ كُلَّ حِينٍ أَنَّ فُلانًا أَغْرَقَ نَفْسَهُ، وَأَنَّ فُلانَةً أَحْرَقَتْ نَفْسَهَا، وَآخَرُ طَعَنَ نَفْسَهُ؛ حَتَّى مَات، فَمَاتَ هَؤُلاءِ، وَلَيْتَ الأَمْرَ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ وَكَفَى؛ وإنما يَظَلُّونَ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ -أَبَدَ الآبِدِينَ- خُلُودًا بِلاَ مَوْتٍ، فَالحُزْنُ المنْهِي عَنْهُ هُوَ الحُزْنُ المفْضِي إِلَى الهَلاَكِ، أَمَّا الحُزْنُ المعْتَدِلُ فَلَيْسَ مُحَرَّمًا.

لاَ تَقْتُلْ نَفْسَكَ!

وَالنَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَأَخْبَرَنَا عَنْ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ؛ لِيَمُوتَ، فَمَثْوَاهُ جَهَنَّمُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» . وَهَذَا حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ جُنْدَب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ [2] : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا؛ فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» بَلْ وَصَلَ الأَمْرُ أنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ المُسْلِمِينَ قَالُوا: إنَّ هَذَا المُنْتَحِرَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ لاَ يُغَسَّلُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلاَ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ؛ لأَنَّهُ مَاتَ يَائِسًا قَانِطًا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر56]

هَذَا أَمْرٌ جَلَلٌ؛ فَاحْذَرْهُ

إذًا .. الأَمْرُ جَلَلٌ وَخَطِيرٌ، وَأَذْكُرُ هُنَا أَنَّ هَذَا الأَمْرَ مُنْتَشِرٌ بِكَثْرَةٍ فِي غَيْرِ المسْلِمِينَ وَالحَمْدُ للهِ؛ فَفِي السُّوَيْد مَثَلًا -وَالسُّوَيْدِيُّ صَاحِبُ أَعْلَى دَخْلِ فَرْدٍ فِي العَالَمِ- وَمَعَ ذَلِكَ فَهُمْ أَصْحَابُ أَعْلَى نِسْبَةِ انْتِحَارٍ؛ إِنَّهَا مُفَارَقَةٌ عَجِيبَةٌ؛ لأَنَّهُم اهْتَمُّوا بِتَغْذِيَةِ الجَسَدِ الفَانِي وَمَلَذَّاتِهِ وَشَهوَاتِهِ عَلَى حِسَابِ الرُّوحِ، وَلَوْ اهْتَمّوا بِتَغْذِيَةِ الرُّوحِ التَّغْذِيَةَ اللازِمَةَ لَهَا لَحَدَثَ التَّوَازِنُ المطْلُوبُ؛ لاسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ السّلِيمَةِ .. نَسَأَلُ اللهَ أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِحُسْنِ خِتَامٍ، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا ..

نِعْمَ العَبْدُ؛ إِنَّهُ أَوَّابٌ

(1) (صحيح) : البخارى 5778، مسلم 109، أبو داود 3872.

(2) (صحيح) : البخارى 3463، مسلم 113، أحمد18323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت