مَا أَكْثَرَ الأَزمَاتِ هَذِهِ الأَيَّامَ!
أَحْيَانًا يَشْتَدُّ المَرَضُ بِأَحَدِنَا أَوْ أَزْمَةٌ مِنَ الأَزْمَاتِ، وَمَا أَكْثَرَ الأَزْمَاتِ هَذِهِ الأَيَّامَ! مِمَّا يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَتَمَنَّى المَوْتَ، فَلا تَسْتَسْلمْ -أَخِي الحَبِيبَ- حَتَّى لا تَقَعَ فَرِيسَةً لِلشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ، وَاتْرُكْ أَمْرَكَ كُلَّهُ للهِ.
سَهِرَتْ عُيُونٌ وَنَامَتْ عُيُونٌ ... فِي أُمُورٍ تَكُونُ أَوْ لا تَكُونُ
فَادْرِأ الهَمَّ مَا اسْتَطَعْتَ عَنِ ... النَّفْسِ فَحُمْلانُكَ الهُمُومَ جُنُونُ
إِنَّ رَبًّا كَفَاكَ بِالأَمْسِ مَا كَانَ ... سَيَكْفِيكَ فِي غَدٍ مَا يَكُونُ
وَقَدْ نَهَانَا رَبُّنَا -أَيُّهَا المُبْتَلَى- عَنْ قَتْلِ أَنْفُسِنَا فَقَالَ: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء29] فَاللهُ هُوَ وَاهِبُ الحَيَاةِ وَهُوَ يَسْلُبُ الحَيَاةَ؛ فَهُوَ المحْي الممِيتُ، وَهُوَ أَوَّلُ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الإِنْسَانِ؛ فَلاَ يُبَاحُ لأَحَدٍ أَنْ يَنْتَهِكَ هَذَا الحَقَّ أَوْ يَسْتَبِيحَ حِمَاهُ، أَمَّا أَنْ يُصَابَ المَرْءُ أَوَّلَ إِصَابَةٍ فَيُصِيبُهُ اليَاسُ، وَيَتَمَنَّى الموْتَ، وَيَقُولُ بِمِلْءِ فِيهِ: يَارَبِّ .. أَرِحْنِي، فَهَذَا القَوْلُ عَلامَةٌ مِنْ عَلامَاتِ السَّاعَةِ فَاحْذَرْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [1] : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ؛ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانُهُ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ البَلاءِ» بَلْ إِنَّ نَبِيَّنَاصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَنَهَانَا عَنْ أَنْ يَتَمَنَّى أَحَدُنَا المَوْتَ؛ فَعَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ [2] : «أَتَيْتُ خَبَّابًا وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا قَالَ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ» وَفِي حَدِيثٍ خَطِيرٍ مِنَ البَشِيرِ النَّذِيرِ قَالَ [3] : «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي [4] ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» حِينَئِذٍ يَخْتَارُ اللهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، إِمَّا الحَيَاةَ وَإِمَّا الوَفَاة، نَعَمْ .. يَخْتَارُ لَكَ مَا يَنْفَعُكَ وَيُصْلِحُ شَانَكَ؛ أَمَّا أَنْ يَامُرَكَ الشَّيْطَانُ بِقَتْلِ نَفْسِكَ فَتَاتَمِر وَتَفْعَل، وَأَمَرَكَ رَبُّكَ أَلاَّ تَفْعَلْ فَتَفْعَل؛ إِنَّهَا لَمُصِيبَةٌ ..
الحَيَاةُ كُلُّهَا أَقْدَارٌ
اعْلَمْ أَنَّ الحَيَاةَ كُلَّهَا أَقْدَارٌ؛ فَإِيمَانُ المسْلِمِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ الإِيمَانِ.
(1) (صحيح) : البخارى 7115، مسلم 157، أبو داود 4255.
(2) (صحيح) : البخارى 6349، مسلم 2681، أحمد 20555.
(3) (صحيح) : البخارى 5671، مسلم 2680، أبو داود 3108.
(4) الضر: من مرض أو فاقة أو محنة، عبر في الحياة بقوله (ما كانت) لأنها حاصلة، ولما كانت الوفاة غير حاصلة الآن حسُنَ أن يأتي بصيغة الشرط.