فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 95

أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ

لَقَدْ آثَرْتُ أَنْ أَبْدَأَ بِهَذَا العُنْوانِ المهِمِّ .. ، فَإِنْ كُنْتَ فِي عَافِيَةٍ فَأَنْتَ فِي نِعْمَةٍ عُظْمَى، لأَنَّكَ لاَ تَشْعُرُ بِأَيٍّ مِنْ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ إِذَاَ كُنْتَ ذَا عَافِيَةٍ، حِينَئِذٍ تَشْعُرُ بِنِعَمِ اللهِ، فَإِذَا مَا قَارَنْتَ نَفْسَكَ بغَيْرِكَ مِنْ أَصْحَابِ الابْتِلاَءَاتِ، فَقُلْ لِي: أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ؟! فَابْتِلاؤُكَ يَسِيرٌ مُقَارَنَةً بِهِمْ، وَلَكِنْ مَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ وَفِيًّا مَعَ اللهِ؛ فمِنَ الوَفَاءِ العَظِيمِ مَعَ اللهِ شُكْرُهُ عَلَى نِعَمِهِ، فَذِكْرُ الجَفَا بَعْدَ الوَفَا وَالصَّفَا جَفَا! لِذَا تَوَعَّدَ اللهُ جَاحِدَ نِعَمِهِ وَمَانِعَ خَيْرِهِ بِجَهَنَّمَ: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} [ق24 - 25] فَلاَ تَكْفُرْ؛ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ نِعْمَةٍ شُكْرًا فَأَدِّ شُكْرَهَا، فَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ؛ فَبِالشُّكْرِ يَنْمُو الخَيْرُ وَالبَرَكَةُ فِي كُلِّ مَا تَمْلِكُهُ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم7] وَمَنْ كَفَرَ فَالعَذَابُ: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم7] وَقَدْ فَضَّلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ الغَنِيَّ الشَّاكِرَ عَلَى الفَقِيرِ الصَّابِرِ؛ لأَنَّهُ قَلَّمَا تَجِدُ غَنِيًّا شَاكِرًا إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ، فَإِنَّ الثَّرَاءَ دَاعِيَةُ الطُّغْيَانِ، وَالاسْتِغْنِاءُ عَنْ رَبِّ الأَنَامِ، فَرُبَّمَا يَنْشَغِلُ المُنَعَّمُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المنْعِمِ العَظِيمِ سُبْحَانَهُ، وَكَثِيرٌ مَا هُمْ، انْشَغَلَ وَاسْتَغْنَى بِسَبَبِ مَالِهِ الكَثِيرِ وَسُلْطَانِهِ الكَبِيرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق6 - 7] وَلِبقَاءِ النِّعْمَةِ أَسْبَابٌ وَجِيهَةٌ؛ مِنْهَا:

الأَوَّلُ: نِسْبَةُ النِّعْمَةِ إِلَى المنْعِمِ

فَتَعْتَرِفُ وَتُقِرُّ وتَقُولُ: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي؛ فَمَا بِكَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ وَحْدَهُ.

الثَّانِي: عَدَمُ الانْشِغَالِ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المنْعِمِ

فَهَا هُوَ سُلَيْمَانُ عَليهِ السَلاَم وَقَدْ ضَاعَتْ مِنْهُ صَلاَةُ العَصْرِ [1] حَيْثُ قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ؛ وَخُيُولُهُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ أَلْفَ فَرَسٍ؛ فَعُرِضَ عَلَيْهِ مِنْهَا تِسْعمَائَة، فَتَنَبّهَ لِصَلاَةِ العَصْرِ، فَإِذَا بِالشَّمْسِ قد غَرَبَتْ، وَفَاتَتِ الصَّلاةُ وَلَمْ يَعْلَمْ فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص30 - 33] ثُمَّ قَالَ: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي: رُدُّوهَا لِي فَرُدَّتْ إِلَيْهِ، فَعَقَرَهَا بِسَيْفِهِ قُرْبَةً للهِ؛ إِذْ كَانَتْ مَاكُولَةً، وَبَقِيَ مِنْهَا مَائَةٌ؛ فَمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنَ الخَيْلِ العِتَاقِ مِنْ نَسْلِ تِلْكَ الخَيْلِ، فَعَاقَبَ نَفْسَهُ؛ حَتَّى لاَ تَشْغَلَهُ الخَيْلُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، أي: الصَّلاَة: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص30 - 33] .

(1) تفسير القرطبي- سورة ص- ذكر ذلك: الحسن والكلبي ومقاتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت