اعْلَمْ -أُخَيَّ- أَنَّ لِلابْتِلاَءِ ثَلاثَ مَرَاتِبَ:
أَوَّلًا: مَرْتَبَةُ التَّمْحِيصِ
قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد31] لِتَعْلَمَ-عِلْمَ اليَقِينِ- أَنَّ الابْتِلاءَ اخْتِبَارٌ وَتَمْحِيصٌ؛ وَالابْتِلاَءُ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَرَجَاتِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ دَلِيلُ رِضَا اللهِ عَلَى عَبْدِهِ المؤْمِنِ؛ وَلَيْسَ دَلِيلَ غَضَبٍ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ؛ يَقُولُ أَحَدُهُم: إِنَّ اللهَ ابْتَلَى فُلاَنًا بِكَذَا وَكَذَا بِسَبَبِ سُوءِ عَمَلِهِ، لاَ .. لَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَاللهُ يَبْتَلِيكَ؛ لِيَعْلَمَ مَدَى صَبْرِكَ وَشِدَّةِ إِيمَانِكَ وَصِدْقِكَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت1 - 3] فَقَدْ يَفْتَحُ اللهُ لِلعَبْدِ بَابَ العَمَلِ وَيُغْلِقُ فِي وَجْهِهِ بَابَ القَبُولِ؛ لأَنَّهُ لاَ إِخْلاَصَ فِي عَمَلِهِ، وَرُبَّمَا يَاتِي العَبْدُ بِذُنُوبِ كَثِيرَةٍ؛ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهَا؛ فَكَانَ سَبَبًا لِلوُصُولِ؛ إِذًا .. لابُدَّ مِنِ ابْتِلاءٍ، فَوَطِّنْ نَفْسَكَ -أَخِي الكَرِيْمَ- عَلَى ذَلِكَ مِنَ الآن؛ حَتَّى لاَ تُفَاجَأَ بِهِ، وَاصْبِرْ؛ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ .. فَهَا هُمُ الأَنْبِيَاءُ يُبْتَلَوْنَ -وَهُمْ صَفْوَةُ البَشَرِ عَلَى الإِطْلاقِ- فَلِمَاذَا يَفْزَعُ أَحَدُنَا إِذَا أَصَابَهُ ابْتِلاءٌ أَوْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ؟! وَرُبَّمَا يَخْسَرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، قَالَ اللهُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج11] وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ بِقَدَرٍ وَحِكْمَةٍ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر49] وَمَا يَحْدُثُ مِنْ حَادِثٍ إِلاَّ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى: {مَا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود56] فكُلُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الكَوْنِ وُجِدَ بِحِكْمَةٍ وَلِحِكْمَةٍ، وَرُبَّمَا لاَ نِعْرِفُ تِلْكَ الحِكْمَةَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ أَوْ ذَاكَ إِلاَّ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِأَعْوَامٍ وَأَعْوَامٍ، فَالكَوْنُ كُلُّهُ وَمَا فِيهِ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا، وخَاصَّةً مَقَادِيرُ اللهِ عَلَى العِبَادِ مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَغِنًى .. الخ.
الرِّزْقُ وَالحِرْمَانُ مَجْرَاهُمَا ... بِمَا قَضَى اللهُ وَمَا قَدَّرَا
فَاصْبِرْ إِذَا الدَّهْرُ نَبَا نَبْوَةً ... فَجُنَّةُ الحَازِمِ أَنْ يَصْبِرَا
ثَانِيًا: مَرْتَبَةُ التَّطْهِيرِ