رُبَمَا مَا وَرَاءَ الابْتِلاَءِ وَالتَّمْحِيصِ مَا لَيْسَ وَرَاءَ الصّحةِ وَالعَافِيَةِ، فَأَشَدُّ سَاعَاتِ اليَوْمِ سَوَادًا هِيَ مَا قَبْلَ الفَجْرِ مُبَاشَرَةً ثُمَّ يَنْبَثِقُ مِنْهَا نُورُ الفَجْرِ، فَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتَ لاَ تَعْلَم؛ قَالَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم [1] : «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» فَاللهُ -بِرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ- يَبْتَلِي الإِنْسَانَ مِنَّا؛ لِيُطَهِّرَهُ، ذَلِكُمُ هُوَ حَالُ المؤْمِنِ، أَمَّا فِرْعَوْنُ -مَثَلًا- لَوْ قَرَاتَ سِيرَتَهُ لَتَعَجَّبْتَ، فَقَدْ قِيلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْرَضْ أَبَدًا، وَلَمْ يَشْكُ قَط إِلاَّ عِنْدَمَا أَخَذَهُ اللهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ؛ وَيَحْضُرُنِي -أَيْضًا- مَا حَدَثَ لِحَسَّان بنِ ثَابِتٍ شَاعِرِ الرَّسُولِ عِنْدَمَا أُصِيبَ بِالعَمَى قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَعَلَّ هَذَا يَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ بِسَبَبِ خَوْضِهِ فِي حَدِيثِ الإِفْكِ مَعَ الَّذِينَ خَاضُوا، فَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ [2] : دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا؛ يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِل
وَمَعْنَى البَيْتِ الشِّعْرِيِّ: تُزَنُّ: تُتَّهَمُ؛ أَنَّكِ تَبِيتِي اللَّيْلَ غَرْثَى أَيْ: جَوْعَى؛ لأَنَّكِ لَمْ تَغْتَابِي المحصَنَاتِ الغَافِلاَتِ؛ فَأَنْتِ حَصَانٌ رَزَانٌ: عَفِيفَةُ اللِّسَانِ رَاجِحَةُ العَقْلِ، الْغَوَافِلِ: جَمْعُ غَافِلَة وَهِيَ العَفِيفَةُ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ؛ أَيْ: إِنَّكَ بِتَّ شَبْعَانَ مِنْ لَحْمِي، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَاذَنِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ؟! وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى، قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ؛ وَأَمَّا الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُول عَاشَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَمْ نَسْمَعْ بِمَرَضِهِ؛ فَالمؤْمِنُ يُصَابُ؛ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لَهُ، لِذَا كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَمْ يُبْتَلَ فِيهَا يَقُولُ: هَذَا غَضَبٌ مِنَ اللهِ عَلَيَّ؛ وَأذْكُرُ فِي هَذَا المقَامِ قَوْلَ شُرِيْحٍ القَاضِي/ [3] : إِنِّي لأُصَابُ بِالمصِيبَةِ فَأَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ أَحْمَدُهُ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَعْظَمَ مِمَّا هِيَ، وَأَحْمَدُهُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيْهَا، وَأَحْمَدُهُ إِذْ وَفَّقَنِي للاسْتِرْجَاعِ [4] لِمَا أَرْجُو فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُهُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِي ..
(1) (صحيح) : البخارى 5642، مسلم 2573.
(2) (صحيح) : البخارى 4146، مسلم 2488.
(3) البيهقى؛ شعب الإيمان.
(4) الاسترجاع: أن يقول عند وقوع المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون) .