عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وسلمعَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ؛ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ [1] ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم [2] : «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟! قَالَ: نَعَمْ؛ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه: سُبْحَانَ اللَّهِ لا تُطِيقُهُ أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلا قُلْتَ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ؟! قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ، وَهذا أبُو بَكْرٍ الصّدِّيق ا: لإِنْ أُعَافَ فَأَشْكُر خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِر، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم [3] : «وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا .. » فَالشُّكْرُ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِدَوَامِ النِّعَمِ الموْجُودَةِ، وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ مُهِمٌّ لاسْتِجْلاَبِ النّعَمِ المفْقُودَةِ.
وَأَحْسَنُ الكَلاَمِ فِي الشَّكْوَى سُؤَالُ الموْلَى كَشْفَ البَلْوَى، فَاسْتَدْفِعُوا أَمْوَاجَ البَلاَءِ بِالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ؛ فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ أَكْرَم عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ، «فَأَعْجَزُ النَّاسِ َمنْ عَجزَ عَنِ الدُّعَاءِ» كَمَا قَالَ سَيِّدُ الأَتْقِيَاءِ [4] وَلاَ يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ؛ فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ وَالمنَاجَاةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَنْ نَادَاهُ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ بِصِدْقٍ كَشَفَ عَنِهْ بَلْوَاهُ وَحَمَاهُ وَوَقَاهُ، وَحَقَّقَ لَهُ سُؤْلَهُ وَمُنَاهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟! قُلْ: بَلَى وَأَنْتَ مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ؛ فَادْعُ لِنَفْسِكَ وَلِلمُسْلِمِينَ -دَائِمًا- بِالعَفْوِ وَالمعَافَاةِ فِي الدّنيَا وَالآخِرَةِ، وَانْتَبِهْ -أَيُّهَا المفْضَالُ- فلاَ تَدْعُ على نَفْسِكَ وَإِخْوَانِكَ وَأَحْبَابِكَ بِالسُّوءِ، فَرُبَّمَا يُوَافِقُ الدُّعَاءُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ؛ وَلَكِنْ إِذَا مَا قَدَّرَ اللهُ الابْتِلاءَ وَحَلَّ بِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ وَضَعْتَ قَدَمَكَ الآنَ فِي أَوَّلِ طَرِيقِ الأَنْبِيَاءِ؛ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى قَوْمِهِ إِلا وَابْتُلِيَ فِي أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ وَكَذَّبَهُ قَوْمُهُ؛ يَقُولُ ابنُ القَيِّم/ فِي كِتَابِهِ القَيِّمِ (الفَوَائِدِ) : أَيْنَ أَنْتَ؟! وَالطَّرِيقُ: طَرِيقٌ تَعِبَ فِيهِ آدَمُ، وَنَاحَ لأجْلِهِ نُوحٌ، وَرُمِيَ فِي النَّارِ الخَلِيلُ، وَاضْطُجِعَ لِلذَّبْحِ إِسْمَاعِيلُ، وَبِيعَ يُوسُفُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وَنُشِرَ بِالِمنْشَارِ زَكَرِيَّا، وَذُبِحَ السَّيِّدُ الحَصُورُ يَحْيَى، وَقَاسَ الضُّرَّ أَيُّوبُ، وَزَادَ عَلَى المِقْدَارِ بُكَاءُ دَاوُدَ، وَسَارَ مَعَ الوَحْشِ عِيْسَى، وَعَالَجَ الفَقْرَ وَأَنْوَاعَ الأَذَى مُحَمَّدٌصلى الله عليه وسلم.
(1) مثل الفرخ: ضعيف الجسم من شدة المرض.
(2) (صحيح) : مسلم 2688، وروى بَعضَهُ البخاري 4522.
(3) (حسن) : الترمذي3502، صحيح الجامع 1268.
(4) (صحيح) : صحيح الجامع 1044.