وَقَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى هَذَا المبْحَثِ أُعْلِمُكَ بِأَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لِيَسْتَانِسَ قَلْبُكَ بِهِ وَيَطْمَئِنَّ؛ فَمَا بَالُكَ بِأَعْظَمِهِمْ؟! فَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [1] : «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟! قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟! فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ؛ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلاهُمْ مَنْزِلَةً، قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» انْظُرْ بِقَلْبِكَ ثَانِيَةً فِي الحَدِيثِ المذْكُورِ؛ لِتَعْلَمَ هَذَا الجَزَاءَ الحَسَنَ؛ لِذَا عِشْ فِي الدّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ؛ وَرُوحُكَ تَهْفُو إِلَى الجَنَّةِ دَائِمًا؛ قَالَ النَّبِيُّ [2] : «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» قَالَ ابنُ حَجَرٍ [3] : (أَوْ) فِي الحَدِيثِ المذْكُورِ بِمَعْنَى: بَلْ، أَيْ: عَابِر سَبِيلٍ، نَعَمْ ... فَرُبَّمَا يُمَكَّنُ لِلغَرِيبِ فِي غُرْبَتِهِ، أَمَّا عَابِرُ السَّبِيلِ فَلاَ يُمَكَّنُ لَهُ، فَهُوَ يَمُرُّ عَلَيْكَ؛ إِمَّا أَنْ يُؤْذِيكَ بِالسَّبَابِ وَاللَّعَانِ، وَإِمَّا أَنْ يُحَيِّيَكَ بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، وَأَنْتَ كَذَلِكَ فِي الدُّنيَا؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُحْسِنًا؛ وَإمَّا أَنْ تَكُونَ مُسِيئًا، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكِ -أَيُّهَا الحَبِيبُ- وَقَدِّمْ لِنَفْسِكَ الخَيْرَ فِي شَبَابِكَ؛ حَتَّى تُؤْجَرَ فِي شَيْبَتِكَ وَهِرَمِكَ، وَأَسُوقُ إِلَيْكَ بِشَارَةً؛ وَهَذِهِ البِشَارَةُ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْكَ؛ حَتَّى أُطَمْئِنَكَ -أَيُّهَا المُوَحِّدُ- أَنَّهُ قَالَ: {إلا الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين6] وَمَعْنَى الآيَةِ: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، فَالمؤْمِنُ لاَ يَهْرَمُ أَبَدًا؛ فَثَوَابُهُ مُتَجَدِّدٌ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [4] :
(1) (صحيح) : مسلم 189، الترمذى 3198.
(2) (صحيح) : أحمد 4750، البخاري 6416، الترمذى 2333.
(3) الفتح: 11/ 238.
(4) (صحيح) : البخاري 2996، أبو داود 3091 ..