فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 95

مَنْ أَنْتَ مِنْ هَؤُلاَءِ وَقْتَ نُزُولِ البَلاَءِ؟!

اعْلَمْ أَنّكَ -أَمَامَ المصِيبَةِ- وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ جَزِعًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ صَابِرًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاضِيًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ شَاكِرًا.

أَوَّلًا: الجَزِعُ

فَأَمَّا الجَزِعُ فَهُوَ شَرُّهُمْ، وَأَبْغَضُهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَأَعْظَمُهُمْ خَسَارَةً فِي الدّنيَا وَالآخِرَةِ؛ فَهُوَ سَاخِطٌ نَاقِمٌ عَلَى قَدَرِ اللهِ وَقَضَائِهِ، تَقُولُ: جَزِعَ فُلانٌ، أَي: لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ، وَلمْ يَنْقَطِعْ لِسَانُهُ عَنِ الشَّكْوَى؛ يَلْطُمُ الخُدُودَ، وَيَفْعَلُ أَفْعَالَ الجَاهِلِيَّةِ، وَيَغْضَبُ بِشِدَّةٍ؛ وَغَضَبُهُ لَنْ يُفِيدَهُ أَبَدًا؛ بَلْ إِنَّ غَضَبَهُ سَبَبُ هَلاكِهِ، أَلاَ يَعْلَمُ هَذَا الجَازِعُ أَنَّ سَيِّدَ الأَوْفِيَاءِصلى الله عليه وسلم- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى السَّوَاءِ عَنْ ذَلِكَ؟! فَقَالَصلى الله عليه وسلم [1] : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» فَاحْذَرِ النِّيَاحَةَ وَالأَصْوَاتَ الملْعُونَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [2] : «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ وَرَنَّةٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» .

ثَانِيًا: الصَّابِرُ

وَأَمَّا الصَّابِرُ فَهُوَ بِصَبْرِهِ يَصِلُ إِلَى مَرْتَبَةٍ كَرِيمَةٍ، وَيُوَفَّى أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر10] فَاصْبِرْ وَاحْتَسِبْ؛ فَالصَّبْرُ أَنْوَاعٌ؛ فَالشَّجَاعَةُ صَبْرٌ عَلَى مَكَارِهِ الجِهَادِ، وَالعَفَافُ هُوَ الصَّبْرُ عَنِ الشَّهوَاتِ، وَالحِلْمُ صَبْرٌ عَلَى المُثِيرَاتِ، وَالكِتْمَانُ صَبْرٌ عَنْ إِذَاعَةِ الأَسْرَارِ، فَثَوَابُ الصَّبْرِ أَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ، وَلَوْ وَقَرَ هَذَا المفْهُومُ فِي قَلْبِ الصَّابِرِ لَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ كُلُّهَا ابْتِلاَءً، فَالجَنَّةُ دَرَجَاتٌ وَغُرَفٌ؛ قَالَ اللهُ: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء21] فَمَهْمَا صَبَرْتَ فَهَلْ هَذَا الصَّبْرُ مَهْمَا عَظُمَ يُسَاوِي الخُلُودَ فِي الجَنَّةِ وَالنَّظَرَ إِلَى وَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ؟!.

مِحَنُ الفَتَى يُخْبِرْنَ عَنْ فَضْلِ الفَتَى ... وَالنَّارُ مُخْبِرَةٌ بِفَضْلِ العَنْبَرِ

ماَ قَدْ مَضَى يَا نَفْسُ فَاصْطَبِرِي لَهُ ... وَلَكِ الأَمَانُ مَنِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرِ

وَتَيَقَّنِي أَنَّ المقَدَّرَ كَائِنٌ حَتْمًا ... عَلَيْكَ صَبَرْتِ أَمْ لَمْ تَصْبِرِي

وَالصَّبْرُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ؛ الصَّبْرُ عَلَى المامُوِر، أَيْ: مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَهُوَ صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ؛ وَهُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ! وَالصَّبْرُ عَلَى المحْظُورِ، أَيْ: الصَّبْرُ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَالصَّبْرُ عَلَى المقْدُورِ، أَيْ: مَا قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ.

ثَالِثًا: الرَّاضِي

(1) (صحيح) : البخاري 1298، مسلم 103، الترمذى999.

(2) (حسن) : صحيح الترغيب والترهيب 3527.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت