الابْتِلاَءُ قَائِمٌ عَلَى حُبِّ اللهِ وَطَاعَتِهِ، بَيْنَمَا العُقُوبَةُ إِشَارَةٌ إِلَى غَضَبِ اللهِ تَعَالَى وَسَخَطِهِ؛ لِذَا لَوْ نَزَلَ بِكَ بَلاَءٌ -أَيُّهَا الحَبِيبُ- فَلَنْ أَجِدَ لَكَ عِلاَجًا يَسِيرًا فِي القُرْآنِ يَتَنَاسَبُ وَمُصيبَتَكَ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [غافر55] وَيَحْضُرُنِي هُنَا قَوْلُ ابنِ القَيِّمِ: إِنَّ لِلسْعَادَةِ ثَلاَثَةَ مُقَوِّمَاتٍ: إِذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ شَكَرَ، وَإِذَا اُبْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، فَاصْبِرْ؛ فَمَا أَعَظْمَ الصَّبْرَ! وَاذْكُرْ وَاشْكُرْ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ؛ فَمَا أَحْسَنَ الذِّكْرَ وَالشُّكْرَ وَقْتَ المصِيبَةِ! لِيَطْمَئِنَّ القَلْبُ بِذِكْرِ خَالِقِهِ وَلاَ يَجْزِع، وَمَا أَجْمَلَ الاسْتِغْفَارَ مُصَاحِبًا لِلذِّكْرِ! وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تَحْدُثُ؛ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٍ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم 58] فَعَلَيْنَا أَنْ نُغَيِّرَ مَا بِأَنْفُسِنَا إِلَى الأَحْسَنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد11] (مَا) الأُولَى فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعْنَى: الَّذِي عَائِدَةٌ عَلَى الابْتِلاَءِ بِالنِّعَمِ وَالنِّقَمِ، أَمَّا (مَا) الثَّانِيَةُ عَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي القَوْمِ مِنْ ذُنُوبٍ يَرْتَكِبُونَهَا؛ فَتَنْزِلُ -بِسَبَبِهَا- العُقُوبَةُ؛ سَوَاءً فَعَلُوهَا هُمْ أَوْ غَيْرُهُم مِنْ قَوْمِهِمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ فِيهِمْ فَيَهْلِكُ -حِينَئِذٍ- القَوْمُ كُلُّهُمْ؛ الصَّالِحُونَ مِنْهُمْ وَالمفسْدُونَ ثُمَّ يُبْعَثُ كُلٌّ مِنْهُم عَلَى نِيَّاتِهِ.
الابْتِلاَءُ يَجْمَعُ الأُمَّةَ، وَالعُقُوبَةُ سَبَبٌ فِي تَشْتَيتِهَا
الابْتِلاَءُ يَهْدِفُ إِلَى تَجْمِيعِ الأُمَّةِ وَتَوْحِيدِهَا؛ فَعِنْدَمَا تَعُمُّ البَلْوَى وَيَشْتَدُّ الابْتِلاَءُ يَتَكَاتَفُ النَّاسُ فِي المحَنِ؛ أَمَّا العُقُوبَةُ فَهِيَ سَبَبٌ فِي تَشْتَيتِهَا وَضَرْبِ قُلُوبِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة14]
الابْتِلاَءُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوًى وَصَبْرٍ، وَالعُقُوبَةُ إِلَى تَوْبَةٍ وَاستِغْفَارٍ
الابْتِلاَءُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوًى وَصَبْرٍ: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف90] بَيْنَمَا العُقُوبَةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَوْبَةٍ وَاستِغْفَارٍ وَعَوْدَةٍ إِلَى الْتِزَامِ الطَّرِيقِ المسْتَقِيمِ مِنْ جَدِيدٍ.