الصَّبْرُ رِزْقٌ عَظِيمٌ
الابْتِلاَءُ تَطْهِيرٌ وَنِعْمَةٌ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، هَكَذَا عَنْوَنْتُ هَذَا الكِتَابَ، والابْتِلاَءُ لَهُ آدَابٌ؛ وَأَعْظَمُ آدَابِ الابْتِلاَءِ الصَّبْرُ، وَالصَّبْرُ رِزْقٌ عَظِيمٌ، يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ؛ فَاللهُ قَسَّمَ الأَخْلاَقَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاقَ، قَالَ حَافِظُ إِبْرَاهِيم شَاعِرُ النِّيلِ:
فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُودَةً فَقَدْ ... اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاق
فَقُلْ: الحَمْدُ للهِ عَلَى هَذَا الرِّزْقِ المبَارَكِ، قَالَ شَقِيقُ البَلْخِيُّ: نَحْنُ قَوْمٌ إِذَا ابْتُلِينَا صَبَرْنَا، وَإِذَا أُعْطِينَا شَكَرْنَا.
قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ ... وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَم
فَلَيْسَ كُلُّ إِنْسَانٍ يُرْزَقُهُ؛ وَمَنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ، فَعَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ قَالَ [1] : (كَتَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ شِدَّةٍ يَجْعَلِ اللهُ بَعْدَهَا فَرَجًا؛ إِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح5 - 6] قَالَ ثَعْلَب [2] : إِنَّ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ إِذَا ذَكَرُوا اسْمًا مُعَرَّفًا ثُمَّ كَرَّرُوهُ، فَهُوَ هُوَ، وَإِذَا نَكَّرُوهُ ثُمَّ كَرَّرُوهُ فَهُوَ غَيْرُهُ، وَهُمَا اثْنَانِ، لِيَكُونَ أَقْوَى لِلأَمَلِ، وَأَبْعَثَ عَلَى الصَّبْرِ، فَمَنْ ذَاقَ البَلاَءَ عَرفَهُ؛ فَلَيسَتِ النَّائحَةُ المَأجُورَةُ كَالثَّكْلَى المكْلُومَةِ! وَلَيْسَ مَنْ رَأى كَمَنْ سَمِعَ!.
صَبْرًا جَمِيلًا مَا أَقْرَبَ الفَرَجَا ... مَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي الأُمُورِ نَجَا
مَنْ صَدَّقَ اللهَ لَمْ يَنَلْهُ أَذًى ... وَمَنْ رَجَاهُ يَكُونُ حَيْثُ رَجَا
الصَّبْرُ مُرٌّ كَاسْمِهِ
(1) (صحيح) : أخرجه مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان.
(2) فائدة لغوية: إِذَا تَتَابَعَتْ نَكِرَةٌ وَاحِدَةٌ فِي جُمْلَتَيْنِ مُخْتَلَفَتَيْنِ؛ فَالنّكِرَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، أَقُولُ مثَلًا: لَقِيتُ رَجُلًا وَأَكْرَمْتُ رَجُلًا، فَالرَّجُلُ فِي الجُمْلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، أَمَّا قَوْلِي: لَقِيتُ رَجُلًا فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ؛ فَالرَّجُلُ فِي الجُمْلَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَكَذَلكَ فِي الآيَتَيْنِ الكَِريمَتَيْنِ: العُسْرُ وَاحِدٌ وَاليُسْرُ اثْنَانِ، وَقَالَ الحَسَنُ أَيْضًا: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ ..