إِذًا .. لابُدَّ مِنْ حُدُوثِ فَوَارِقَ بَيْنَ النَّاسِ؛ حَتَّى يَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَليُمَحِّصَ المُؤْمِنَ الصَّابِرَ مِنَ المُعَانِدِ الكَافِرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة48] فَهَذَا غَنِيُّ وَهَذَا فَقِيرٌ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَهَذَا مَرِيضٌ، وَكِلاَهُمَا مُبْتَلًي، قَالَ اللهُ: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء35] وَهَذَا مُبْتَلًى فِي رِزْقِهِ؛ وَالابْتِلاَءُ فِي الرِّزْقِ ابْتِلاَءٌ قَوِيٌّ عَلَى بَعْضِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، فَالنَّاسُ تَجْزَعُ وَتَفْزَعُ كَثِيرًا إِذَا أَصَابَهَا فَقْرٌ، وَيَغِيبُ عَنْ أَذْهَانِهَا أَنَّ فَقِيرَ اليَوْمِ هُوَ غَنِيُّ الغَدِ؛ وَغَنِيَّ الغَدِ هُوَ فَقِيرُ الأَمْسِ، وَأَنَّ المالَ مُتَدَاوَلٌ بَيْنَ أَيْدِيهِم، وَأَنَّنَا سَنَتْرُكُهُ كُلَّهُ ثُمَّ نُحَاسَبُ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ، مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْنَاهُ، وَفِيمَ أَنْفَقْنَاهُ؟! وَهَذَا مُبْتَلًى فِي زَوْجَةٍ غَيْرِ مُطِيعَةٍ، وَآخَرُ مُبْتَلًى فِي ابْنٍ عَاقٍّ أَوْ مُعَاقٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَبْتَلِي الإنْسَانَ فِي أَغْلَى مَا يَمْلِكُهُ الإنْسَانُ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَثَمَرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة155 - 157] مُصِيبَةٌ أَتَتْ نَكِرَةً لِعُمُومِهَا؛ فَكُلُّ مَا يَسُوءُ المؤْمِنَ مَهْمَا صَغُرَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ يَسْتَوْجِبُ مِنْهُ الاسْتِرْجَاعَ، فَيَا أَيُّهَا المُبْتَلَى أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} اللهُ يُصَلِّي عَلَيْكَ، أيْ: يَغْفِرُ لَكَ وَيَرْحَمُكَ، رَحْمَةً بَعْدَ رَحْمَةٍ وَيُخْبِرُنَا أَنَّكَ مِنَ المُهْتَدِينَ، أَيْ: مِنْ المهْتَدِينَ إِلَى الاسْتِرْجَاعِ؛ لِيَصِيرَ مِنْ أَصْحَابِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَهَذَا هُوَ طَرِيقُ الأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَرُبَّمَا تَكُونُ مِنْ هَذَا النَّفَرِ القَلِيلِ؛ لِذَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ افِى تَفْسِيرِ [1] : {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} نِعْمَ العِدْلاَنِ وَنِعْمَتْ العِلاوَةُ؛ قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذَا الأَثَرِ: العِدْلاَنِ الصّلَوَاتُ وَالرَّحْمَةُ، وَذِكْرُ الرَّحْمَةِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ أَفَادَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ، والعِلاوَةُ هِدَايَةُ اللهِ لَهُ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} أَىْ: فَقَدْ حَصَلُوا عَلَى ثَوَابِهِمْ وَزَادَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، فَرَحْمَةُ اللهِ أَوْسَعُ مِمَّا يَتَصَوَّرُ العَبْدُ، لِذَا .. تَكَرَّرَ المعْنَى بِاخْتِلاَفِ اللَّفْظِ لِلتَّاكِيدِ.
(1) راجع تفسير ابن كثير، سورة البقرة 157.