وَأَمَّا الرَّاضِي فَهُوَ صَاحِبُ مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِنْ سَابِقَيْهِ، فَقَدْ صَبَرَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللهِ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ بِمَا حَلَّ بِهِ مِنْ قَدَرٍ وَقَضَاءٍ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَهُنَا أُذَكِّرُكَ بِبِشَارَةِ النَّبِيِّ لَكَ -أَيُّهَا المبْتَلَى- أَنَّكَ حَبِيبُ مَوْلاَكَ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم [1] : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» وَأَنْتَ حَبِيبُ اللهِ وَهُوَ حَبِيبُكَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} [البقرة165] فَيَاتِي ابْتِلاؤُكَ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِكَ، قَالَ النَّبِيُّ: فَمَنْ رَضِيَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَمَنْ يَصْبِرْ؛ فَالرِّضَا أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الصَّبْر! وَقَالَ: فَلَهُ السُّخْطُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَعَلَيْهِ، دلاَلَةً عَلَى مُلاَزَمَةِ السّخْطِ لَهُ، تَقُولُ: لِمُحَمَّدٍ الكِتَابِ، فَالكِتَابُ مِلْكٌ لَهُ، فَكَأَنَّ السُّخْطَ مُلاَزِمٌ لَهُ لاَ يَبْرَحُهُ.
انْظُرْ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ا أَحَدِ صَالِحِي زَمَانِهِ، يَاتِيهِ رَجُلٌ؛ يَسْأَلُهُ قَائِلًا لَهْ: يَا إِمَامُ أرِيدُ أَنْ يَرْضَى اللهُ عَنِّي، فَمَاذَا أَفْعَلُ؟! فَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ تَرْضَ عَنِ اللهِ يَرْضَ اللهُ عَنْكَ، كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ لَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، فَقَالَ له: كَيْفَ ذَلِكَ؟! فَقَالَ سُفْيَانُ/: عِنْدَمَا تُسَرُّ لِلنِّقْمَةِ كَسُرُورِكَ لِلنِّعْمَةِ، فَإِنَّهُمَا قَدَرَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ عَلَيْكَ.
(1) (صحيح) : أبو داود 4456، صحيح الجامع 2110.