أَخِي الحَبِيبَ .. سَلْ نَفْسَكَ الآنَ: مَنْ مِنَّا يُسَرُّ لِلنِّعْمَةِ كَسُرُورِهِ لِلنِّقْمَةِ؟! أَيْ: تَفْرَحُ بِالُمصِيبَةِ مِثْلَ فَرَحِكَ بِالبِشَارَةِ، وَالفَرَحُ هُنَا بِمَعْنَى الرِّضَا؛ فَكِلاهُمَا قَدَرٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْكَ، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة119] لَيْسَ العَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ: {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ} وَإِنَّمَا العَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فَالفَوْزُ العَظِيمُ لَنْ يَاتِيَ إِلاَّ بِالرِّضَا؛ فَمَنْ يَرْضَ بِقَدَرِ اللهِ وَقَضَائِهِ يَرْضَ اللهُ عَنْهُ، وَأُذَكِّرُكَ وَنَفْسِي بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ [1] : «إِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟! فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟! فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي؛ فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا!» كُلُّ هَذَا الرّضَا سَبَبُهُ طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ! أَيُّهَا الحَبِيبُ: سَيَاتِي عَلَيْكَ يَوْمٌ يَقُولُ رَبُّكَ لَكَ: هَلْ رَضِيتَ؟! وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لك: لَقَدْ خَلَقْتُكَ وَسَوَيْتُكَ وَسَدَّدْتُكَ وَوَفَّقْتُكَ وَهَدَيْتُكَ؛ فِي وَقْتٍ ضَلَّ فِيهِ الملايِين، وَابْتَلَيْتُكَ فَصَبَّرْتُكَ وَأَرْضَيْتُكَ، وَثَبتُّكَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى مِتَ عَلَيْهِ، وَحَاسَبْتُكَ حِسَابًا يَسِيرًا، ثُمَّ أَدْخَلْتُكَ الجَنَّةَ بِسَلامٍ، ثُمَّ رَأَيْتَ وَجْهَ اللهِ، وَهَذَا أَقْصَى مَا تَتَمَنَّاهُ .. فَاصْطَبِرْ، وَدَعْنِي أُبَشِّرُكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؛ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [2] : «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟! قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ؛ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس26] وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَهْمَا عَظُمَتْ ذُنُوبُكَ فَعَفْوُ اللهِ أعْظمُ؛ فَأَقْبِلْ عَلَى رَبِّكِ وَأَبْشِرْ؛ وَمَنْ يَغْضَبْ فَلَنْ يَنَالَ رِضَاهُ، وَلاَ يَقَعُ إِلاَّ مَا أَرَادَهُ اللهُ، فَقَدَرُ اللهِ وَقَضَاؤُهُ يَمُرُّ بِعِدَّةِ مَرَاحِلَ قَبْلَ نُزُولِهِ: العِلْمِ؛ فَعَلِمَ اللهُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِعَبْدِهِ فُلاَنٍ فَاخْتَارَهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، ثُمَّ يَكْتُبُهُ وَيَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ؛ فَقَدَرُ اللهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، فَإِذَا نَزَلَ وَحَلَّ بِالعَبْدِ يُسَمَّى قَضَاءً، وَعَلَى العَبْدِ أَنْ يُقَابِلَهُ بِرَضًا؛ لأَنَّ تَمَرُّدَهُ لَنْ يُغَيِّرَ مِنْهُ شَيْئًا.
رَابِعًا: الشَّاكِرُ
(1) (صحيح) : البخارى 6549، مسلم 183، الترمذى 2555.
(2) (صحيح) : أحمد 18456، مسلم 181، ابن ماجة 187.