فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 95

وَأَمَّا الشَّاكِرُ فَهُوَ أَعْظَمُهُم جَمِيعًا؛ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَزَادَهُمْ أَمْرًا ثَالِثًا، صَبَرَ عَلَى البَلاءِ، وَرَضِيَ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ لَهُ، وَشَكَرَ عَلَى نُزُولِهِ بِهِ، وَلَقَدْ اخْتَصَّ اللهُ نَفْسَهُ أَنْ يَجْزِيَهُ عَلَى شُكْرِهِ، فَقَالَ فِي آيَةٍ كَرِيمَةٍ -وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ مُخْبِرَةً أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَشَرٌ، وَكُلُّ نَفْسٍ بَشَرِيَّةٍ لاَبُدَّ وَأَنْ تَمُوتَ- قَالَ اللهُ لِرَسُولِهِصلى الله عليه وسلم: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء34] وَمَوْتُ النَّبِيِّصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَأَعْظَمُ مُصِيبَةٍ ابْتُلِيَتْ بِهَا الأُمَّةُ، قَالَ رَسُولُ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» نَعَمْ .. فَإِنَّكَ لَنْ تُصَابَ أَبَدًا بِفَقْدِ أَعَزَّ مِنْهُ وَلاَ أَرْحَمَ وَلاَ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَالأَمْرُ شَدِيدٌ؛ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ عَلَى مَوْتِهِ وَرِضًا على قَضَاءِ اللهِ فِيهِ، وَشُكْرٍ عَلَى إِرْسَالِ هَذَا النَّبِيِّ للأُمَّةِ, فَمَا فَعَلَ خَيْرًا إلاَّ وَدَلَّكَ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَمَا تَرَكَ شَرًّا قَط إِلاَّ وَحَذَرَّكَ مِنْهُ، وَتَرَكَكَ عَلَى المحَجَّةِ البَيْضَاءِ؛ وَهَدَاكَ إِلَى الطَّرِيقِ المسْتَقِيمِ؛ طَرِيقِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَأَتَمَّ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَأَكْمَلَ بِهِ النِّعْمَةَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران144] وَقَالَ أَيْضًا فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران145] وَالشَّاكِرُونَ هُمْ: كُلُّ مَنْ ثَبتَ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ وَمَحَبَّتِهِ وَالْتِزَامِ أَخْلاَقِهِ، وَأحْسَنَ مُعَامَلاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ وَكَانَ وَفِيًّا للهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فِعْلَهُ وَصَبْرَهُ؛ وَجَزَاهُ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَهَذَا الصّنْفُ مِنَ البَشَرِ (الشَّاكِر) قَلِيلٌ جِدًّا كَمَا أَخْبَرَنَا مَوْلاَنَا: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ13] فَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ رَبَّهُمْ عَلَى نِعَمِهِ العَظِيمَةِ؛ وَيَا حَبَّذَا لَوْ كُنْتُ عَبْدًا شَكُورًا حَينَئِذٍ تَكُونُ قَدْ وَصَلْتَ إِلَى دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ؛ فَالشَّاكِرُ الَّذِي يَشْكُرُ اللهَ عَلَى العَطَاءِ وَالرَّدِّ وَالنَّفْعِ وَالبَذْلِ، أَمَّا الشَّكُورُ هُوَ الَّذِي يَشْكُرُ اللهَ عَلَى العَطَاءِ وَالمنْعِ مَعًا وَالبَلاَءِ، فَبِالشُّكْرِ يُرْفَعُ عَنْكَ العَذَابُ، وَيُضَاعَفُ الأَجْرُ وَيَزْدَادُ الثَّوَابُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَدْ قَرَنَ اللهُ الشُّكْرَ بِالإِيمَانِ، وَرَفَعَ -سُبْحَانَهُ- بِوُجُودِهِمَا مَعًا بِالعَذَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء147] وَقَرَنَهُ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة 152]

(1) (صحيح) : الدارمى 84، صحيح الجامع 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت