فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 95

عِنْدَمَا مَاتَ عَلِيُّ بنُ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاض [1] ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَرَأَ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات24] فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَمَاتَ، بَلَغَ الخَبَرُ أَبَاهُ الفُضَيْلَ فَصَبَرَ وَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ غَسَّلَهُ وَكَفَّنَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ مُبْتَسِمًا، فَتَعَجَّبَ أَحَدُ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ أَتَضْحَكُ؟! قَالَ: نَعَمْ؛ شُكْرًا لِرَبِّي، إِنَّهُ الإِيمَانُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ وَالصَّبْرُ وَالرِّضَا وَالشُّكْرُ فِي عِزِّ المصِيبَةِ، فَللَّهِ مَا أَخَذ ولله مَا أَعْطَى؛ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، وَلَكِنَّ خَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍصلى الله عليه وسلم، فَرَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلمحَزِنَ عِنْدَ مَوْتِ وَلَدِهِ، وَهُوَ قُدْوَتُنَا، وَمَقَامُهُ أَعْلَى مَقَامَاتِ العُبُودِيَّةِ وَالتَّعَبُّدِ، وَهَذَا الأَمْرُ شُعُورٌ وَإِحْسَاسٌ دَاخِلِيٌّ قَوِيٌّ لاَ يَسْتَطِيعُ -غَالِبًا- أَنْ يَتَحَكَّمَ فِيهِ أَحَدُنَا، فَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَظْهَرَ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا أَمْرٌ يَتَنَاسَبُ وَطَبِيعَةَ البَشَرِ فِي عَزِّ الأَزَمَاتِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِصلى الله عليه وسلم، أَمَّا الفُضَيْلُ فَقَدْ أَظْهَرَ عُبُودِيَّةَ الرِّضَا فَقَطْ، لَكِنِ الَّذِي نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَحَكَّمَ فِيهِ أَلاَّ نَفْعَلَ أَفْعَالًا لاَ تَلِيقُ وَإِيمَانَنَا، وَلاَ تَنْسَجِمُ وَهَدْيَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍصلى الله عليه وسلم، وَهَذَا القَوْلُ خُلاَصَةُ الأَمْرِ كُلِّهِ، فَاصْبِرْ وَاحْتَسِبْ؛ فَقَدَرُ اللهِ يَنْزِلُ بِحِكْمَةٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ العِبَادُ تِلْكَ الحِكْمَةَ؛ لِذَا عِنْدَمَا ضَحِكَ أَحَدُ الزُّهّادِ العُبَّادِ عِنْدَ وَفَاةِ عَزِيزٍ لَدَيْهِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ، وَذَهَبُوا إِلَى ابنِ تَيْمَيةَ، وَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ يَضْحَكُ هَذَا الرّجُلُ وَالضّحِكُ عَلاَمَةُ الفَرَحِ؟! وَكَيْفَ يَبْكِي رَسُولُ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوَالبُكَاءُ عَلاَمَةُ الحُزْنِ؟! فَقَالَ ابنُ تَيْمِيةَ: فِعْلُ نَبِيِّنَاصلى الله عليه وسلمأَكْمَلُ وَأَفْضَلُ؛ بِالرّحْمَةِ بِالبُكَاءِ وَالرِّضَا والاسْتِكَانَةَ لِلْقَضَاءِ، أَمَّا الرَّجُلُ المذْكُورُ لَمْ يُظْهِرْ سِوَى الرِّضَا بِالقَضَاءِ، وَلَمْ يَرْحَمْ نَفْسَهُ بِالبُكَاءِ! فَللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عُبُودِيَّة، وَعُبُودِيَّةُ اللهِ وَقْتَ المصِيبَةِ أَنْ يُظْهِرَ النَّاسُ لَهُ الخُشُوعَ وَالخُضُوعَ والاسْتِكَانَةَ لِلْقَضَاءِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام42 - 43] .

(1) هذه القصة ذكرها ابن كثير/ في (البداية والنهاية) ، وابن تيمية-/ في كتابه (أولياء الرحمن ... )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت