لَعَلَّ فِي هَذِهِ الهِزَّةِ العَوْدَةَ إِلَى اللهِ؛ وَاحْذَرْ أَنْ تُفْتَنَ قَبْلَ مَوْتِكَ بِسَبَبِ ابْتِلاَئِكَ، فَعِنْدَمَا تَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ أَعْضَائِكَ سَتَشْهَدُ عَلَيْكَ فِي الآخِرَةِ؛ وَهِيَ الَّتِي كُنْتَ عَنْهَا فِي الدُّنيَا تُدَافِعُ، فَإِنَّكَ سَتَرْتَدِعُ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفَضَحِكَ، فَقَالَ [1] : «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟! قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ [2] : انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا؛ فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِل» وَاعْرِضْ نَفْسَكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى عَلَى قُرْآنِ رَبِّكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ؛ لِتَعْرِفَ أَيْنَ الخَلَلُ فِي نَفْسِكَ؟! فَهَا هُوَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ جَحْش [3] الَّذِي كَانَ زَوْجًا لأُمِّ حَبِيبَة، وَأَسْلَمَ مَعَهَا وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَة، وَلَكِنَّهُ فُتِنَ هُنَاكَ فَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وَتَنَصَّرَ فَمَاتَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ عَبْدُاللهِ بنُ خطْل الَّذِي قُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ؛ وَرَبِيعَةُ بنُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ [4] الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ، فَحَدَّهُ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ عُمَرُ ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَرَّ مِنْهَا هَارِبًا إِلَى هِرَقْلَ وَارْتَدَّ وَتَنَصَّرَ، وَالسَّبَبُ عَدَمُ اسْتِطَاعَتِهِ مُفَارَقَةَ خَمْرِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَادْعُ اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى الإِسْلامِ الَّذِي هَدَاكَ اللهُ إِلَيْهِ، وَلَكِنِ يَا مَنْ تَنْشُدُ الرَّاحَةَ، اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ رَاحَةَ إِلاَّ فِي الجَنَّةِ، قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلَ: مِتَى يَجِدُ الإِنْسَانُ الرَّاحَةَ؟! فَقَالَ: عِنْدَ أَوَّلِ قَدَمٍ يَضَعُهَا فِي الجَنَّةِ! نَعَمْ .. فَسِلْعَةُ اللهِ غَالِيَةٌ أَلاَ وَهِيَ الجَنَّةُ! فَرَحْمَةُ اللهِ تُصِيبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ الأَنْبِيَاءُ؛ وَمِنْهُم نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ؛ حَتَّى مَكَّنَ لَهُ فِي الأَرْضِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف56]
(1) (صحيح) : مسلم 2969.
(2) أركانه: جوارحه، أمَّا لفظة: أناضل فمعناها: أجادل وأدافع.
(3) مجلة التوحيد (العدد 11 - 1425هـ) مقال المستشار/ أحمد السيد، وكذلك كتاب: (الاستيعاب 2/ 272) على هامش الإصابة.
(4) كتاب الإصابة: (1/ 530) .