اسْمَعْ إِلَى سَيِّدِنَا أَيُّوبَ عليه السلام الَّذِي مَرِضَ مَا يَقْرَبُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء83] فَيَقُولُ اللهُ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} [الأنبياء84] وَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللهِ أَيُّوبُ عليه السلام: (رَبِّ أَنِّي أَهْلَكَنِيَ الضُّرُّ) إِنَّهُ أَدَبُ الأَنْبِيَاءِ مَعَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، أَمَّا قَوْلُ أَيُّوبَ عليه السلام: {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أَيْ: إِنْ كَانَتْ رَحْمَتُكَ فِي بَلاَئِي وَعَدَمِ شِفَائِي فَهَذَا أَمْرُكَ؛ وَإِنْ كَانَتْ رَحْمَتُكَ فِي شِفَائِي وَمَعَافَاتِي فَهَذَا أَمْرُكَ؛ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ بِرَحْمَتِكَ وَلَمْ يَقُلْ: زِدْ فِي بَلاَئِي أَوِ اشْفِنِي؛ فَاخْتَرْ لِي، فَاخْتِيَارُكَ رَحْمَةٌ مِنْكَ إِلَيَّ! وَهَذَا ثَنَاءٌ جَمِيلٌ مِنْ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوبَ لِرَبِّهِ فَشَفَاهُ اللهُ؛ فَهَذَا جَزَاءُ الصَّابِرِينَ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص44] فَجَعَلَ اللهُ شِفَاءَهُ فِي حِفْنَةِ مَاءٍ، فَقَالَ اللهُ: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص42] لَقَدْ شَفَى اللهُ أَيُّوبَ عليه السلام بِحِفْنَةِ مَاءٍ بَعْدَ هَذَا الصِّرَاعِ الشَّدِيدِ مَعَ المَرَض؛ حَيْثُ شَرِبَ -كَمَا أَمَرَهُ اللهُ- المَاءَ فَطَهَّرَ اللهُ مَا بِدَاخِلِهِ مِنَ الدَّاءِ، وَاغْتَسَلَ فَأَذْهَبَ اللهُ مَا بِهِ مِنَ البَلاَءِ، فَسِرْ عَلَى دَرْبِ الأَتْقِيَاءِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيَتَذَكَّرُ نَبِيَّ اللهِ مُوسَى عليه السلام وَيُثْنِي عَلَى صَبْرِهِ فيَقُولُصلى الله عليه وسلم [1] : «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى؛ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُكَ تَكُونُ لَكَ لا عَلَيْكَ، قَالَ اللهُ: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة51] فَأَنْتَ -بِصَبْرِكَ- وَقْتَ المُصِيبَةِ- تُحَوِّلُهُا إِلَى حَسَنَاتٍ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَرَسُولُ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيَقُولُ [2] : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» .
إِذَا أَصَابَتْكَ نَكْبَةٌ فَاصْبِرْ لَهَا ... مَنْ ذَا رَأَيْتَ مُسْلِمًا لا يُنْكَبُ
وَارْعَ الأَمَانَةَ وَالخِيَانَةَ فَاجْتَنِبْ ... َاعْدِلْ وَلا تَظْلِمْ يَطِبْ لَكَ مَكْسَبُ
وَلَقَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيْحَتِي ... وَالنُّصْحُ أَغْلَى مَا يُبَاعُ وَيُوْهَبُ
(1) (صحيح) : البخارى 6291، مسلم 1062، أحمد 3597.
(2) (صحيح) : أحمد 71، البخارى 5645، مالك 1752.