عَنْ ذِي اللِّحْيَةِ الْكِلابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ فِي أَمْرٍ مُسْتَانَفٍ أَوْ أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟! قَالَ [1] : «لاَ .. بَلْ فِي أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ: فَفِيمَ نَعْمَلُ إِذًا! قَالَ: اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» فَمَا أَبْلَغَ إِجَابَةَ النَّبِيِّ! وَمَا أَعْظَمَهَا! إِنَّهُمَا كَلِمَاتٌ مَعْدُودَةٌ لاَ تَتَعَدَّى أَصَابِعَ اليَدِ الوَاحِدَةِ: فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ .. إِجَابَةٌ دَقِيقَةٌ وَبَلِيغَةٌ أَصَابَ بِهَا رَسُولُ اللهِ، فَعِنْدَمَا قَرَاتُ الحَدِيثَ تَشَوَّقْتُ لِنهَايَتِهِ فَكَانَتْ مِسْكَ الخِتَامِ وَالقَوْلِ؛ إِنَّهُ قَوْلٌ لاَ يَقُولُهُ إِلاَّ نَبِيٌّ، أَيْ: أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِأَقْدَارِكُم المكْتُوبَةِ لَكُم عِنْدَ رَبِّكُم؛ لاَ تَحِيدُونَ عَنْهَا، وَلَيْسَ فِي أَعْمَالٍ غَيْرِ مَكْتُوبَةٍ لَكُم، فَكُلُّ شَخْصٍ مِنَّا مَخْلُوقٌ وَمَخْلُوقٌ مَعَهُ عَمَلُهُ، فَقَدَرُكَ مَكْتُوبٌ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةً كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات96] عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ [2] : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَتَّكِلُ؟! قَالَ: لا؛ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل 5 - 10] » وَمَعْنَى سَنُيَسِّرُهُ: نُهَيِّئُهُ، وَمَعْنَى كُلٌّ مُيَسَّرٌ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ وَيُيَسَّرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ وَيُيَسَّرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمقَالَ [3] : «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا، قَالَ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟! أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟! فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» .
إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللهُ مَلَكًا فَقَالَ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَة أَوْ غَيْر مُخَلَّقَة؟ فَإِنْ قَالَ غَيْر مُخَلَّقَة أَيْ: لِلاسْتِمْتَاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الحَلاَلِ الطَّيّبِ مَجَّهَا الرَّحِمُ, وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَة قَالَ: يَا رَبِّ فَمَا صِفَةُ هَذِهِ النُّطْفَةِ؟ وَهَكَذَا فِي بَاقِي الحَدِيثِ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ قَبْلَ مَوْلِدِكَ.
(1) (صحيح) أحمد 16194، صحيح الجامع 1074.
(2) (صحيح) البخاري 4947، مسلم 2647.
(3) (صحيح) البخاري 6595، مسلم 2646.