فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 95

فَالشَّرُّ لاَ يُنْسَبُ للهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ [1] : «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ [2] ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ؛ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» لِذَا قَالَتِ الجِنُّ كَمَا قَالَ رَبُّنَا فِي سُورَةِ الجِنِّ: {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن10] فَلَمْ يَقُولُوا: أَشَرٌّ أَرَادَ الله؛ فَتَدَبَّرُْه -يَرْحَمُكَ اللهُ- فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَهَا هُوَ أَبُو الأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمُ يَنْسُبُ المرَضَ لِنَفْسِهِ لاَ لِرَبِّهِ تَأَدُّبًا فَقَالَ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء80] وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عِنْدَمَا نَسَبَ العَيْبَ لِنَفْسِهِ لاَ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَأَدُّبًا مَعَ رَبِّهِ الكَرِيمِ رَغْمَ أَنَّهُ مَامُورٌ مِنَ اللهِ بِذَلِكَ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف79] وَنَسَبَ الخَضِرُ الخَيْرَ وَالفَضْلَ للهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الكهف82] ثُمَّ تَجِدُهُ فِي الأَمْرَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُمَا أَمَرَا اللهِ لَهُ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف82] فَعَلَيْنَا أَنْ نَخْتَارَ وَنَنْتَقِيَ أَلْفَاظَنَا انْتِقَاءً مَعَ رَبِّنَا؛ كُنْتُ أَسِيرُ ذَاتَ مَرَّةٍ فِي أَحَدِ شَوَارِعِ مَدِينَتِي بلْقَاس - دَقَهْلِيَّة .. فَرَأَيْتُ امْرَأَةً؛ تَخْلَعُ غِطَاءَهَا عَنْ رَاسِهَا وَتَقُولُ: رَبُّنَا يَظْلِمُهُ كَمَا ظَلَمَنِي [3] ، فَهَزَّنِي هَذَا القَوْلُ مِنْ جُذُورِي، طَبْعًا هِيَ تَقْصُدُ أَنْ يَنْتَقِمَ اللهُ مِنْهُ جَرَّاءَ فِعْلِهِ مَعَهَا؛ فَهَلْ هَذِهِ الأَلْفَاظُ تَلِيقُ بِرَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟! لَوْ قِيلَ لَكَ: إِنَّكَ سَتُقَابِلُ رَئِيسًا لأَصَابَتْكَ الحَيْرَةُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟! وَأَخَذْتَ وَقْتًا لَيْسَ بِاليَسِيرِ فِي إِعْدَادِ أَلْفَاظِكَ .. مَاذَا سَتَقُولُ لَهُ؟! وَمَاذَا سَيَكُونُ رَدُّ فِعْلِهِ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ أَوْ تِلْكَ فَمَا بَالُكَ بِرَبِّ العَالَمِينَ؟!

(1) (صحيح) : مسلم 771 أبو داود 760.

(2) معنى ذلك: أن أفعال الله كلها خير محض من حيث اتصافه بِهَا؛ وصدورها عنه ليس فيها شر قط؛ فإنه تعالى حكيم عدل، وجميع أفعاله متصفة بالحكمة والعدل؛ يضع الأشياء في مواضعها اللائقة، فالله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

(3) كان أحرى بهذه المرأة أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، أو فوضت فيه الأمر لله، فربك ليس بظلام للعبيد؛ فالله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت