وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا .. فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَأَدَّبَ بِأَدِبِ الأَنْبِيَاءِ مَعَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة216] فَلَيْسَ الإِعْطَاءُ دَلِيلَ الإِكْرَامِ، وَلَيْسَ المنْعُ دَلِيلَ الإِهَانَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر15 - 17] فَأَنْتُمْ وَهَبَكُمُ اللهُ مِنْ خَيْرِهِ الكَثِيرَ وَمَعَ ذَلِكَ بَخِلْتُمْ بِدَلِيلِ (كَلاَّ) فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الإِعْطَاءِ وَالبُخْلِ! فَلاَ تَقُلُ: إِنَّ اللهَ وَهَبَنِي المَالَ وَالوَلَدَ؛ لأَنَّهُ يُحِبُّنِي فَهَذَا قَوْلُ الكَافِرِينَ: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف34] وَيظن أَنَّهُمَا يُقَرِّبَانِهِ إِلَى اللهِ زُلْفَى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ 37] فَلَنْ يُقَرِّبُكَ إِلَى اللهِ إِلاَّ عَمَلُكَ الصَّالِحُ.
اللَّهُ -وَحْدَهُ- يَعْلَمُ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ
فَاللهُ -وَحْدَهُ- يَعْلَمُ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ .. فاسْتَعِنْ -دَائِمًا- بِاللهِ وَلاَ تَعْجزْ وَكُنْ مِنَ الصَّابِرِينَ، قَالَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة153] لِمَنْ هَذَا النِّدَاءُ وَالأَمْرُ بِاللهِ عَلَيْكَ؟! لَكَ -أَيُّهَا المؤْمِنُ الصَّابِرُ- وَتَأَمَّلْ قَوْلَ اللهِ بَعْدَهُمَا: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} لِتَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ .. وَيَكْفِيكَ -أَيُّهَا المبْتَلَى- أَنَّكَ حَبِيبُ مَوْلاَكَ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم [1] : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» وَلَمْ يَقُلْ: فَمَنْ صَبَرَ؛ وَإِنَّمَا: فَمَنْ رَضِيَ؛ لأَنَّهُ مَنْ رَضِيَ فَقَدْ حَسُنَ صَبْرُهُ قَبْلَهُ، فَهُوَ رَاضٍ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَأُبَشِّرُكَ بِآيَاتٍ كَرِيمَةٍ اخْتَرْتُهَا لَكَ؛ حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُك؛ لِمَا فِيهِا مِنَ الِبشَارَةِ العَظِيمَةِ لَكَ.
(1) (صحيح) : أبو داود 4456، صحيح الجامع 2110.