وَهَا هُوَ سَيِّدُنَا يَعْقُوبُ عليه السلام يُبْتَلَى فِي ابْنِهِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عليه السلام، إِخْوَتُهُ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ إِلا أَحَدَهُم كَانَ رَحِيمًا بِهِ، أتَدْرِي مَاذَا قَالَ؟! قَالَ: لا تَقْتُلُوهُ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ! أَيْ: فِي قَاعَ البِئْرِ المُظْلِمِ! نَبِيٌّ كَرِيمٌ يُرْمَى فِي قَاعِ الجُبِّ، ثُمَّ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ امْرَأَةِ العَزِيزِ ثُمَّ فِتْنَةُ السِّجْنِ، وَهُوَ مَنْ؟ وَابْنُ مَنْ؟ هُوَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ السَّلام، كَمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ الأَمِينُ صلى الله عليه وسلم [1] فَهُوَ نَبِيٌّ ابنُ نَبِيٍّ ابنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ، إِنَّهَا سِلْسَلْةٌ شَرِيفَةٌ كَرِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ عَظِيمَةٌ، فَمَنْ تَكُونُ أَنْتَ بِالقِيَاسِ عَلَيْهِ؟! وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ سَيِّدُنَا يَعْقُوبُ عليه السلام بَعْدَ هَذَا الابْتِلاءِ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف18] وَالصَّبْرُ الجَمِيلُ هُوَ الصَّبْرُ الَّذِي يَصْبِرُ صَاحِبُهُ؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الجَلِيلِ، لاَ أَنْ يَصْبِرَ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ! وَهُوَ صَبْرٌ لاَ شَكْوَى فِيهِ لِلبَشَرِ؛ إِنَّمَا الشَّكْوَى إِلَى رَبِّ البَشَرِ فَقَالَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ} [يوسف 86] وَقَالَ اللهُ فِي شَانِ المَرْأَةِ المجاَدِلَةِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة1] وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّكْوَى نَوْعَانِ: شَكْوَى مِنْ، وَهَذِهِ الشَّكْوَى تُنَافِي الصَّبْرَ، وَشَكْوَى إِلَى، وَتِلْكُمُ الشَّكْوَى لاَ تُنَافِي الصَّبْرَ، فَاشْكُ إِلَى اللهِ فَقْرَكَ وَحَاجَتَكَ وَضَعْفَكَ وَذِلَّتَكَ؛ فَلَنْ تَجِدَ أَرْحَمَ مِنْهُ يَسْمَعُكَ، فَبَعْدَ أَنْ وَكَلَ يَعْقُوبُ عليه السلام ابْنَهُ لإِخْوَتِهِ يَحَْفَظُونَهُ وَلَمْ يَرْجُ اللهَ عَلَيْهِ، فَوَكِلَهُ اللهُ إِلَى خَوْفِهِ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ حُزْنًا عَلَيْهِ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف84] وَعِنْدَمَا قَالَ: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف64] فَكَانَ هَذَا القَوْلُ فَارِقًا؛ فَأَعَادَ اللهُ وَلَدَهُ يُوسُفَ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَقَدْ خَرَجَ يُوسُفُ مِنْ عِنْدِهِ طِفْلًا صَغِيرًا، فَأَعَادَهُ اللُه إِلَيْهِ نَبِيًّا كَرِيمًا وَمَلِكًا مُتَوَّجًا وَحَفِيظًا عَلِيمًا وَمَكِينًا أَمِينًا، وَحَقَّقَ اللهُ لَهُ رُؤْيَاهُ، وَأَسْعَدَ بِهِ أَبَاهُ، وَرَدَّ إِلَى أَبِيهِ بَصَرَهُ فَقَالَ: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف56] وَلَقَدْ قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلَ/وَهُوَ يَئِنُّ مِنْ شِدَّةِ مَرَضِهِ: آهٍ ..
(1) (صحيح) : أحمد 5679، البخارى 3390.