بَلْ وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى التَّآمُرِ عَلَى قَتْلِهِصلى الله عليه وسلم، وَرَصْدِ أَعْظَمِ الجَوَائِزِ؛ لِذَلِكَ الأَمْرِ البَشِعِ عِنْدَمَا اجْتَمَعُوا اجْتِمَاعَهُمُ المشْئُومَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَمَعَ كُلِّ هَذَا نَجِدُ المَوْلَى يُوْصِيهِ بِالصَّبْرِ، فَمَا أَعْظَمَ الصَّبْرَ! وَمَا أَكْرَمَ جَزَاءَ الصَّابِرِينَ! فَنَزَلَتْ آيَاتُ الصَّبْرِ الآيَةُ تِلْوَ الآيَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف35] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور48] أي: اصْبِرْ عَلَى قَضَاءِ اللهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَكَ وَقَضَى بِهِ عَلَيْكَ؛ فَاصْبِرْ مُمْتَثِلًا لِكُلِّ الأَقْضِيَةِ الوَاقِعَةِ عَلَيْكَ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس109] فَالصَّبْرُ كَثَوَابِهِ؛ لاَ حُدُودَ لَهُ، فَاللهُ يُوَفِّي الصَّابِرِينَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ فَادْعُ اللهُ أَنْ يُصَبِّرَكَ، وَكُنْ قَرِيبًا -دَائِمًا- مِنْهُ، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، وَأُرِيدُكَ أَنْ تَقُولَ دَائِمًا: الحَمْدُ للهِ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِكَ، وَحَالُكَ أَحْسَنُ مِنْ أَحْوَالِ أُنَاسٍ آخَرِينَ، فَانْظُرْ إِلَيْهِمْ وَاعْتَبِرْ بِهِمْ، فَرُبَّمَا مَنْعُ هَذِهِ النّعْمَةِ عَنْكَ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكَ وَأَنْتَ لاَ تَشْعُرُ بِذَلِكَ، فَإِنْ تَكُ قَدْ سُلِبْتَ مِنْكَ نِعْمَةً؛ فَكَمْ مِنْ نِعَمٍ وَهَبَكَ اللهُ إِيَّاهَا لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى! فَلا تَزْدَرِي نِعْمَةَ رَبِّكَ عَلَيْكَ .. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة َا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [1] : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» فَلَنْ تَحْيَا سَعِيدًا إِلاَّ نَظَرْتَ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ؛ لِتَصِلَ إِلَيْهِ فَتَسْعَد، أَمَّا فِي أَمْرِ الدّنيَا فَانْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْكَ لِتَحْمَدَ اللهَ عَلَى مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ نِعْمَةٍ ..
فَكُنْ تَقِيًّا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الفَتْحَ فَتْحَانِ: فَتْحٌ مُبَارَكٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقُوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف96] وَفَتْحٌ آخَرُ عَلَى الكَافِرِينَ وَهُوَ فَتٍْحٌ غَيْرُ مُبَارَكٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [2] قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ» ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام44] فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ -هَدَانَا وهَدَاكَ اللهُ- مِنْ أَيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ!.
صَبْرُ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ
(1) (صحيح) : البخارى 6490، مسلم 2963، أحمد 27364.
(2) (حسن) : أحمد 16860، صحيح الجامع 561.