وَجَعَلَ اللهُ ثَوَابَ هَؤُلاءِ المُهَاجِرِينَ عَظِيمًا؛ لأَنَّ هَذَا الابْتِلاءَ كَانَ جَلَلًا، خَاصَّةً فِي بِدَايَةِ الدَّعْوَةِ، فَالرَّجُلُ العَرَبِيُّ مُرتَبِطٌ بِوَطَنِهِ مَهْمَا بَعُدَ؛ فَإِنَّهُ يَسْعَدُ كَثِيرًا بِالعَوْدَةِ إِلِى مَوْطِنِهِ الأَوَّلِ؛ لِذَا كَانَ الأَجْرُ كَرِيْمًا، فَهَلْ يُكَافَأُ عَلَى اتِّبَاعِهِ هَذَا الدِّينَ العَظِيمَ أَمْ يُعَاقَبُ بِالخُرُوجِ مِنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ؟! إِنَّهُمْ كُوْفِئوا؛ وَلَكِنْ مِنْ مَوْلاهُم الَّذِي خَلَقَهُم فَهَدَاهُم، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي شَانِ المُهَاجِرِينَ: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران195] إِذًا .. كَانَ ابْتلاؤُهُمْ قَوِيًّا وَشَدِيدًا وَمُؤْلِمًا، أَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَجْأَةً -وَهُوَ المَحْبُوبُ فِي أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ- بِلا أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ وَبَلَدٍ، وَهُمُ الذِينَ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ الصَّادِقَ الأَمِينَ وَأَوْدَعُوا عِنْدَهُصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَأَغْلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَمَانَاتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ طَارَدُوهُ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، وَرَصَدُوا الجَوَائِزَ الثَّمِينَةَ لِذَلِكَ، أي: مَنْ يَظْفَرْ بِهِ يَقْتُلْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَاهُ يَقُولُصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَلِعَلِيٍّ بن أَبِي طَالِبٍ: إِذَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ فَرُدَّ الوَدَائِعَ إِلَى أَهْلِهَا، لِذَا؛ كَانَ الثَّوَابُ كَرِيمًا وعَظِيمًا مِنْ رَبِّهِم الكَرِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .. وَلَيْتَ الأمْرَ وَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ وَكَفَى، وَهُوَ إِخْرَاجُ المَعْصُومِصلى الله عليه وسلممِنْ وَطِنِهِ وَأَهْلِهِ وَكَفَى بِهِ مُصَِيبَةً، بَلْ أَسَالُوا دَمَهُ الشَّرِيفَ مِنَ الجِسْمِ المُكَرَّمِ، وَرَمَوْهُ بِأَعْظَمِ السّبَابِ، وَهُوَ مِنْهَا بَرِئٌ بَرَاءَةَ الذِّئْبِ مِنْ دَمِ ابْنِ يَعْقُوبَ عليه السلام، فَهُوَ صَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ، كَمَا وَصَفَهُ المَوْلَى الكَرِيْمُ، وَرَمَوا أُمَّنَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ لالطَّاهِرَةَ العَفِيفَةَ بِالفَاحِشَةِ، وَلَكِنِّهُ أَعْرَضَ عَنْهُم حَتَّى نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ السَّمَاءِ فِي سُورَةِ النُّورِ.
أَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِ السَّفِيهِ ... فَكُلُّ مَا قَالَ فَهُوَ فِيهِ
فَمَا ضَرَّ بَحْرَ الفُرَاتِ يَوْمًا ... أَنْ خَاضَ بَعْضُ الكِلابِ فِيه
وَحَاصَرُوهُ حِصَارًا قَاتِلًا فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ رَبَطُوا عَلَى بُطُونِهِم حِجَارَةً وَأَحْزِمَةً مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ.
لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا جَزَاءً لِمُحْسِنٍ ... إِذًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعَاشٌ لِظَالِمٍ
لَقَدْ جَاعَ فِيهَا الأنْبِيَاءُ كَرَامَةً ... وَشَبِعَتْ فِيهَا بُطُونُ البَهَائِم