أَمَّا المؤْمِنُ الحَقُّ مَهْمَا أُوتِيَ مِنْ ضَعْفٍ فَهُوَ قَوِيٌّ بِاللهِ، وَمَهْمَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ فَهُوَ ضَعِيفٌ فَقِيرٌ إِلَى عَفْوِ مَوْلاَهُ؛ لأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الأُمُورُ كُلُّهَا هُوَ اللهُ، فَاللهُ نَاصِرُكَ وَمُؤَيِّدُكَ وَحَافِظُكَ؛ لِذَا ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلاَ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ، وَإِنْ عَبَدُوهُ أَشْرَكُوا مَعَهُ فِي العِبَادَةِ آلِهَةً أُخْرَى، وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، فَهُمْ آنَذَاكَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ فِي ضَعْفِهَا: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت41] فَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ، لاَ يَصُدُّ بَرْدًا وَلاَ يَمْنَعُ حَرًّا، فَالبَيْتُ أَضْعَفُ مِنَ العَنْكَبُوتِ نَفْسِهِ، وَكَذَا الكَافِرُ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَاهُ يَعْتَمِدُ عَلَى مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ؛ لِيَنْصُرَهُ! أَمَّا الصَّالِحُونَ فَوَلِيُّهُم اللهُ الَّذِي لاَ يَغْفُلُ وَلاَ يَنَامُ، قَالَ اللهُ: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف 196] أي: مُتَوَلِي أُمُورِي وَمُدَبِّرُهَا؛ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ القُرْآنَ وَيَحْفَظُ الصَّالِحِينَ فِي حِلِّهِم وَتِرْحَالِهِم؛ لِذَلِكَ قَالَ اللهُ: {وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية 19] فَهَنِيئًا لَكَ أَيُّهَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ بِوَلاَيَةِ اللهِ لَكَ، فَهُوَ وَلِيُّكَ وَنَاصِرُكَ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلاَ يَنْصُرُ وَلاَ يَنْفَعُ وَلاَ يَضُرُّ إِلا بِإِذْنِهِ، قَالَ اللهَ تَعَالَى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} [الأعراف191 - 192] فَادْعُ بِإِخْلاَصٍ؛ وَأَنْتَ مُوقِنٌ بِالإِجَابَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ [1] : لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَجَابَ دُعَاءَ شَرِّ الخَلْقِ إِبْلِيسَ إِذْ قَالَ: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [ص79 - 81]
اسْتِبْطَاءُ النَّصْرِ وَالإِجَابَة نَوْعٌ مِنَ الابْتِلاَءِ
(1) كما في فتح الباري 11/ 144.