فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 95

امْرَأةٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ مِنْ فُضْلَيَاتِ النِّسَاءِ صَبْرًا وَطَاعَةً للهِ؛ إِنَّهَا امْرَأَةٌ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَفِى حدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ا قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ [1] : أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟! قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّصلى الله عليه وسلموَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا، وَكَانَتْ إِحْدَى مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ أَنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ؛ إِذَا دَعَا رَبَّهُ اسْتَجَابَ لَهُ فَوْرَ دُعَائِه كَمَا عَدَّ ذَلِكَ ابنُ تَيْمِيةَ [2] فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم .. سُبْحَانَ اللهِ! تَصْبِرُ عَلَى المَرَضِ وَلا تَصْبِرُ عَلَى التَّكَشُّفِ؛ إِنَّهَا مِنْ أَكْمَلِ النِّسَاءِ عَقْلًا؛ طَلَبَتِ الجَنَّةَ فَفَازَتْ بِهَا؛ فَأَصَابَتْ -فِي خيَارِهَا الجَنَّةَ- إِصَابَةً بَالِغَةً؛ وَالمرْأَةُ هِيَ سعِيرَةُ الأَسَدِيّةُ، وَأَتَكَشَّفُ بِمَعْنَى: أَخْشَى أَنْ تَظْهَرَ عَوْرَتِي، وَأَنَا لاَ أَشْعُرُ؛ وَهَذِهِ المرْأَةُ عِبْرَةٌ لِلنِّسَاءِ، رَغْمَ مَرَضِهَا اجْتَهَدَتْ فِي ستْرِ نَفْسِهَا وَبَدَنِهَا، وَالعَجِيبُ أَنَّ نِسَاءَنَا يَجْتَهِدْنَ فِي كَشْفِ عَورَاتِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مَعْذُورَاتٍ فِي ذَلِكَ؛ أَمَّا هَذِهِ المرْأَةُ فَتَتَكَشَّفُ بِعُذْرٍ المَرَضِ؛ فَيَا مَنْ تَتَكَشَّفِينَ بِلاَ صَرَعٍ، أَلاَ تَخَافِينَ أَنْ تَتَكَشَّفِي وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ بِالصَّرَعِ؟! فَاللهُ قَادِرٌ لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ وَلَكِنَّهُ يُمْهِلُ وَلاَ يُهْمِل، فَيَا أَيَّتُهَا المُسْلِمَاتُ اسْتُرْنَ أَنْفُسَكُنَّ يَسْتُرْكُنَّ اللهُ، آهٍ .. آهٍ لَوْ رَأَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ -اليَوْمَ- فَتَيَاتِ المُسْلِمِينَ، وَهُنَّ فِي سُفُورِهِنَّ وَتَبَرُّجِهِنَّ المشِيْنِ، وَهُنَّ يَعْلَمْنَ أَنَّ سِمَاتِ الثَّوْبِ الإسْلامِيِّ أَلا يَصِف، وَأَلا يَكْشِف وَأَلا يَشِفّ، فَيَا مَنْ تَتَكَشَّفِينَ اتَّقِ اللهَ قَبْلَ لِقَاءِ اللهِ.

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يَحْضُرُنِي صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ قَدِمَ إِلَى رَسُولِ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَكَمَا فَعَلَتِ المرْأَةُ السَّوْدَاءُ؛ لِيَدْعُوَ اللهَ لَهُ، وَلَكِنَّ المرْأَةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ أَعْظَمَ فِقْهًا مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ؛ فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمفَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ [3] : «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ؛ قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ؛ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ؛ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» .

(1) (صحيح) : البخارى 5652، مسلم 2576، أحمد 3230.

(2) ذكر ابن تيمية ما يَرْبُو عَلَى ألفِ معجزة لرسول الله.

(3) (صحيح) الترمذي 3578، صحيح الجامع 1279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت