نَعَمْ .. فَالمبْتَلَى أَكْثَرُ النَّاسِ انْكِسَارًا وَخُضُوعًا للهِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ عُظْمَى لاَ يَشْعُرُ بِهَا إِلاَّ المبْتَلَوْنَ؛ فَلَيْسَ المبْتَلَى كَالمعَافَى، فَتَجِدُهُ يَرْجُو اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ أُمُورِهِ، فَيَتَعَلَّمُ الصَّبْرَ عَلَى المَرَضِ مِنْ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوبَ؛ فَقَدْ شَفَاهُ اللهُ بِسَبَبِ صَبْرِهِ العَظِيمِ سَنَوَاتٍ وَسَنَوَاتٍ: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص44] وَالشُّكْرَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ نُوحٍ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء3] وَالإِخْلاَصَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف24] وَلاَ تَكُنْ دَائِمَ الشَّكْوَى إِلَى زُوَّارِكَ؛ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكَ وَيُبَدِّلَكَ ثَوَابًا عَظِيمًا؛ وَاطْمَئِنّ، فَاللهُ يَرَاكَ وَيَحْفَظُكَ وَيَرْعَاكَ وَيَسْمَعُكَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ َا قَالَ [1] : قَالَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي المؤْمِنَ فَلَمْ يَشْكُنِي إِلَى عُوَّادِهِ أَطْلَقْتُهُ مِنْ إِسَارِي، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ؛ ثُمَّ يَسْتَانِفُ العَمَلَ» أَيْ: طَهَّرْتُهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَمْرَضْ، وَعِلاَوَةً عَلَى ذَلِكَ حَصَّلَ مِنَ الحَسَنَاتِ الكَثِيرَ؛ فَاصْبِرْ وَصَابِرْ وَرَابِطْ وَاتَّقِ اللهَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران200] يُنَادِي المَوْلَى المُؤْمِنِينَ نَاصِحًا، أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى الطَّاعَاتِ وَالمَصَائِبِ وَعَنِ المَعَاصِي، وَأَنْ يُصَابِرُوا الكُفَّارَ فَلاَ يَكُونُوا أَشَدَّ صَبْرًا مِنَّا، وَأَنْ يِتَّقُوا اللهَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِم؛ حَتَّى يَفُوزُوا بِالجَنَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ، وَهَلْ هُنَاكَ فَلاحٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟! وَلاَ تَنْسَ ذِكْرَ اللهِ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ؛ فَعَلَيْكَ بِالتَّسْبِيحِ وَذِكْرِ اللهِ؛ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ وَنِعَمِهِ، قَالَ المَعْصُومُصلى الله عليه وسلم [2] : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ؛ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ .. سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِه» .
5 -إِظْهَارُ المحِبِّ مِنَ المبْغِضِ
وَقْتَ المصِيبَةِ تَجِدُ حَوْلَكَ أَهْلَكَ يَهْتَمُّونَ لِهَمِّكَ فَتَجِدُ هَذَا يَجْرِي؛ لإِحْضَارِ طَبِيب، ٍ وَثَانٍ يَجْلِبُ دَوَاءً، وَثَالِثٌ يَدْعُو اللهَ بِإِخْلاَصٍ أَنْ يَشْفِيَهُ، وَآخَرُ يَقِفُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ شَامِتًا، وَتِلْكُمُ هِيَ المصيبَةُ، وَلاَ يُحَرِّكُ سَاكِنًا عِنْدَ وُقُوعِ المصِيبَةِ، وَكَأَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ تَزْدَادَ سُوءًا، وَرُبَّمَا يَدْعُو اللهَ أَلاَّ يَكْشِفَهَا، وَرَحِمَ اللهُ القَائِلَ:
رَحِمَ اللهُ الشَّدَائِدَ أَهْدَتْ ... إِلَيَّ عَدُوِّي مِنْ حَبِيبِي
فَانْظُرْ إِلَى هَؤُلاَءِ المنَافِقِينَ وَمَاذَا فَعَلُوهُ فِي حَادِثَةٍ مَكْذُوبَةٍ! وَهِيَ حَادِثَةُ الإِفْكِ؛ وَكَيْفَ رَوَّجُوا لَهَا فِي المدِينَةِ؟! فَظَهَرَتْ شَمَاتَتُهُم، فَظَهَرُوا عَلَى حَقِيقَتِهِمْ السَّيئَةِ مِنْ مَوْقِفٍ وَاحِدٍ.
(1) (صحيح) : رواه الحاكم في مستدركه، صحيح الترغيب والترهيب 3424.
(2) (صحيح) : البخارى 6406، مسلم 2694.