فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 248

شَيْءٌ)، أما النوع الثاني من البقاء ففي قوله تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى للذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى:36) (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:17) فبقاء المخلوقات في الآخرة لا لذاته ولكن بعطاء من الله، لإكرام أهل طاعته وإنفاذ عدله في أهل معصيته، ولذلك يقول سبحانه: (إِنَّ للمُتَّقِينَ مَفَازا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغْوًا وَلا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) (النبأ:31) ، كيف ندعو الله باسمه الأخر دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء مسألة كما في الحديث: (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ) أما دعاء العبادة فطلب الجنة والبقاء فيها في الرفيق الأعلى، يعبد الله طمعا في جنته وخوفا من ناره

الاسم الثامن والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الظاهر: فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء) .

واسم الله الظاهر يدل على ذات الله وصفة العلو بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة العلو المطلق وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغني والعلم والقدرة، والقوة والعزة والعظمة، وكل ما يلزم لكونه الآخر الذي ليس بعده شيء.

ومعنى الظاهر أي الذي ظهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وشواهده الدالة على صحة وحدانيته وكذلك الظاهر فوق كل شيء بذاته وشأنه وقهره وقدرته، وقد يكون الظهور بمعنى العلو ويكون بمعنى الغلبة، والواجب الإيمان بصفة الظهور الذاتي ورؤيته في الآخرة وتَجَلِّيه للجبل وظهور آيات العظيمة في المخلوقات وكذا آيات تنزيله المحكمة من كتب وصحف وألواح.

كيف ندعو الله باسمه الظاهر دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء مسألة كما في الحديث: (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ) أما دعاء العبادة فيحسن العبد فيه التوكل على ربه وذلك أنه إذا نظر إلي قدرة اللّه في الأشياء، وأنه منفرد بالخلق والتدبير، وقائم بالملك والتقدير، نظر أيضا إلي وجوه الحكمة في إظهار الأسباب وتصريفها، وابتلاء العباد بتقليبها، والأخذ بها على وجه الضرورة واللزوم، وإيقاع الأحكام على المحكوم، فمن وافق الشرائع والسنن استحق من الله الثواب، ومن خالف وابتدع استحق من الله العقاب، ليصل الكل في النهاية إلى ما دون في أم الكتاب، هكذا كان ابتلاء العباد من خلال إيمانهم بتوحيد الربوبية من جهة وتوحيد العبودية من جهة أخرى: (فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ بَل هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلمُونَ) (الزمر:49) فتنة لأنه نظر إلى الأسباب الظاهرة في تقلبها وتغافل عن مصرفها ومقلبها، الذي أظهرها باسمه الظاهر تحقيقا للحكمة في اسمه الحكيم، الحكمة التي أراد الله عز وجل أن يخلقهم من أجلها، وإظهارا للقدرة التي كلفهم بتوحيد الربوبية من خلالها، فالمتوكل على الله قائم بأحكام الشريعة ملتزم بتوحيد العبودية، يعمل بشرع الله ويؤمن بقدر الله، وإنما أظهر اللّه تعالى الأسباب لأن الأسماء تتعلق بها وأحكام الشرع عائدة عليها بالثواب والعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت