الاسم التاسع والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الباطن: فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء) .
واسم الله الباطن يدل على ذات الله وصفة القرب والإحاطة واحتجاب الحق عن الخلق بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة القرب واحتجاب الحق وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعظمة والقدسية، وكل ما يلزم لكونه محيط بكل شيء.
والباطن هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يدركه الخلق بتصور الكيفية لعجزهم لا لعدم وجودها، فمعنى الباطن أي الذي احتجب عن أبصار الناظرين مع تجليه لبصائر المؤمنين، والباطن يكون أيضا بمعنى العالم لما ظهر من الأمور في عالم الشهادة والمطلع على ما بطن من الأمور في عالم الغيب، والله عز وجل احتجب لعظمته وعزته وكمال حكمته، فعند البخاري ومسلم من حديث أَبِى مُوسَى أنه قَال قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَال: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِليْهِ عَمَلُ الليْلِ قَبْل عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْل عَمَلِ الليْلِ حِجَابُهُ النُّورُ، وَفِى رِوَايَةِ، لوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِليْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلقِهِ)، والله عز وجل باطن قريب أقرب إلينا من حبل الوريد (وَلقَدْ خَلقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) (قّ:16) . كيف ندعو الله باسمه الباطن دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء مسألة كما في الحديث: (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ) ، أما دعاء العبادة فالإقرار العبد أن اللّه هو المقدر المدبر، وأن الأسباب التي أظهرها الله بحكمته هي كالآلة بيد صانعها، واللّه من ورائهم محيط هو القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، قال اللّه تعالى: (أَفرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخَالقُونَ) (الواقعة:5859، وكذلك قال تعالى:(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أأَنْتُمْ تَزْرَعُوَنهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) ، فنسب الزراعة لنفسه مرة لأنه الباطن الذي استتر عن خلقه بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ونسبها إلينا فقال: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) (يوسف:47) فنسب الزراعة إلينا لأنه الظاهر الذي أظهر الأسباب في خلقه، لتكليفنا بالعمل، وأحكام العمل والاجتهاد عائدة علينا، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ قَال: (أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالهُ الشَّاعِرُ أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ) فنفي ما سوى اللّه على اعتبار أنه المتوحد في القدرة الباطن في حجاب، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الحياة التي ابتلانا الله بها هي أسباب حق تؤدي إلي نتائج صدق، ثم لم يمنعه ذلك أن قال أصدق بيت قاله الشاعر: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ، إيثارًا منه للتوحيد وتوحيدا للمتوحد، نلتقي معلم في محاضرة جديدة لشرح ما تيسر من أسماء الله الحسنى، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.