بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الثالثة
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وأهل بيته أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ..
يقول تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:180) (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء:110) (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) (طه:8) فالله عز وجل هو الرب وهو الإله وهو الواحد وهو الأحد وهو الصمد وهو السيد وهو الحي وهو القيوم وهو المالك وهو الملك وهو المليك وهو الحق وهو المبين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأسماء الحسنى هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) ومن أسمائه الحسنى التي دل عليها الكتاب والسنة اسمه العلى واسمه الأعلى واسمه المتعال واسمه العظيم واسمه المجيد.
الاسم الرابع عشر من الأسماء الحسنى هو اسم الله العلى: فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في القرآن والسنة، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه، فمن القرآن: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ) (البقرة:255) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (الحج:62) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (لقمان:30) (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (سبأ:23) (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ) (غافر:12) (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ) (الشورى:4) ، وفي سنن ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني من حديث عبادة بْنِ الصَّامِتِ أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ تَعَارَّ أرق واستيقظ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ حِينَ يَسْتَيْقِظُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ العَلِىِّ العَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا رَبِّ اغْفِرْ لي غُفِرَ لَهُ، وفي سنن ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِىُّ العَظِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.
والعلي هو الذي علا بذاته وارتفع ارتفاعا مطلقا، فكان فوق الكل، ودائما ما يقترن اسم الله العلي بالعظمة وذكر العرش والكرسى، ففي آية بعد أن قال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ) (البقرة:255) ولما ذكر علو ملك الملوك ذكر بعده العرش وسعته، (فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ