بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الخامسة - اقتران أسماء الله الحسني
(الحَمْدُ للهِ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون) (الأنعام:1) ، سبحانه لا يحصي عدد نعمه العادون، ولا يؤدي حق شكره الحامدون، ولا يبلغ مدي عظمته الواصفون، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة:117) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله أمات وأحيا، وقدر فهدى، وخلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى، جعل الإنسانية بين وعد ووعيد، وقسمهم إلي شقي وسعيد، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18) . ... وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، خير نبي أرسله، فتح به آذانا صما، وأعينا عمياء، وقلوبا مقفلة، أرسله على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فكانت بعثته أنفع للخليقة من الماء الزلال، إذ تمت به للناس مصالح الدارين، فطوبي لمن أمسي باتباعه قرير العين، وويل لمن نبذ هديه في بيان النجدين، فاللهم صل وسلم عليه، أفضل صلاة وأكمل سلام، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود في أشرف مقام، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلي يوم الدين، أما بعد.
تحدثنا في المحاضرة الماضية عن اسم الله الأعظم، وعلمنا أن جميع الأسماء كلها حسنى، وكلها عظمى، على اعتبار ما يناسبها من أحوال العباد، فاسم الله الأعظم في حال الفقر الغني، وفي حال الضعف القوى، وفي حال الجهل العليم، وفي حال السعي والكسب الرزاق، وهكذا كل اسم هو الأعظم في موضعه، على حسب حالة العبد وما ينفعه، فالحسن والعظمة في أسماء الله تعالى يكون باعتبار خاص لكل اسم بمفرده، ويكون أيضا باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر، واقترانهما كمال فوق الكمال، فالأعلى في الكمال هو الأعظم على هذا الاعتبار، ومن هنا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الحي القيوم هو اسم الله الأعظم، وكذلك الرحمن الرحيم، فعند الإضافة يظهر كمال على كمال وجمال على جمال، كل ذلك من دلالة أسماء رب العزة والجلال، لكن ما هو السبب الذي يدعو إلى أن ينفرد الحي القيوم والرحمن الرحيم بما ليس للأسماء المفردة.
السبب في ذلك بالنسبة لاسمه الحي واقترانه بالقيوم، أن جميع الأسماء والصفات تدل عليه باللزوم، فالحي مشتق من صفة الحياة، وصفة الحياة وصف ذات لله، بخلاف المحي فإنه مشتق من وصف فعل لله، وصفة الذات هي كل صفة كمال لله لا تتعلق بمشيئته، كالبقاء والعزة، والمشيئة والقدرة، والعلم والقوة، والعلو والحكمة، والوجه والعين والقدم واليدين، والسمع والبصر وغير ذلك من صفات الذات، وأما صفة الفعل فهي كل صفة كمال تعلقت بمشيئة الله، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالإحياء والإماتة، والخلق والهداية، واللطف والرحمة، والرزق والنصرة، والمجيء لفصل القضاء، والنزول إلى السماء، وكذلك الاستواء، وكل ما تعلق بمشيئة الله من الصفات فهي صفات أفعال.
فالحي اسم من أسماء الله يدل على ذاته وعلى صفة الحياة معا، فيدل على العلمية والوصفية معا، يدل على الحياة الدائمة الحياة الكاملة، ومن أجل حياته كملت بقية أسمائه وصفاته، فلا يمكن لأحد أن يكون قديرا إلا إذا كان حيا،